أنت هنا

قراءة كتاب حجر السرائر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حجر السرائر

حجر السرائر

يرسم السرد الروائي في " حجر السرائر" لنبيل سليمان خطاً بيانياً للأسس والبدايات التاريخية والمكوّنات التي رسا عليها بناء الدولة السورية الحديثة، ومسارها السياسي، وما انطوى عليه من صراعات بين رجال الدولة وأحزابها واتجاهاتها وقواها الدينية والعلمانية.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

2

غير أن الأستاذ رمزي الكهرمان قاد سيارته الستودبيكر ضحى الجمعة إلى مزرعة شقيقه عبد الواسع في عمق الغوطة الشرقية.
كانت نديدا لابدة في المقعد الخلفي كمن يداري سوءاً. وكانت كف ابتهال تتهجى ملاسة جلد المقعد، بينما انزوت درة بجوار رمزي، تسترق نظرة خائفة منه، فنظرة مبهمة من صفوف الحور التي تطبق على الطريق الترابي الضيق. وبعدما حسبته درة دهراً، طارت نديدا إلى حضن الجدة، وطارت ابتهال إلى البركة التي يزركشها سرب البط والإوز. وجلجلت الجدة آمرة الخادمة السوداء زهور بالإسراع في تقديم الفطور.
بعد لقمتين وكأس الحليب نهض رمزي مستأذناً أمه وشقيقه:
- أمامي غداً اجتماع هام للجنة الدستور. عليّ أن أكمل كتابة المذكرة التي سيدور حولها الاجتماع. أخشى أن النهار كله لن يكفيني.
ونظر إلى درة كأنه يلومها على ما أخذ يتواتر من تأخره وارتباكه في عمله. ونظرت إليه كأنها تتوعده بعقاب شديد، ليس فقط جزاء على انسحابه، ولا جزاء على إصراره على سفرها مع الصغيرتين يوم الأحد إلى بعلبك، فلماذا إذن؟
استدار رمزي ليختصر الطريق إلى مكتب أخيه، بينما وقف عبد الواسع يسأل:
- ما موضوع المذكرة؟
قال رمزي وهو يلوح لابتهال ولسرب البط والإوز:
- الخصومة والجريمة. الخصومة السياسية والجريمة السياسية في القانون.
تساءل عبد الواسع ساخراً وهو يلحق بأخيه:
- القانون الفرنسي أم القانون السوري؟
قال رمزي ساخراً أيضاً:
- ستقرأ ما أكتب. أريد رأيك.
- الرأي رأيك ورأيها.
- من هي؟
- لجنة الدستور يا أبو الدستور.
التفت رمزي مبتسماً، وفجأة غيبه الباب يلاحقه دعاء أمه. وفجأة أيضاً سمع صوته يأمر الخادمة السوداء زهور بأن توافيه بكأس الشاي. لكنه ما كاد يغلق باب غرفة عبد الواسع - كبرى غرف البيت الريفي الكبير - حتى أخذت يداه ترتعشان. وما كادت جلسته تهدأ خلف طاولة عبد الواسع حتى بلغت الرعشة ساقيه.
فوق المجلة التي تتوسط الطاولة ثبت كفيه هنيهة قبل أن يدفعها يميناً، ثم يساراً وهو يحدق في الغلاف: المجلة الحقوقية. وتساءل وهو يفتحها عما يجعل أخاه يعود إلى هذا العدد القديم. وبعسر قرأ: حقوقية بوليسية انتقادية روائية فكاهية تبحث في علم الحقوق والشؤون العدلية والحوادث القضائية.
وبعسر استمهل الرعشة حتى قدمت الخادمة كأس الشاي وانصرفت. عندئذٍ تلفت يبحث عن الملفات. لكن الرعشة أرعدته إرعاداً، فانتظر حتى هدأت قبل أن يصب لعناته على النسيان والسيارة والملفات: أنت السبب يا درة، همهم، وحاول أن ينهض، ولم يصدق عجزه، فشبّ لاعناً درة، ولغا:
- ما بك يا رمزي؟
فإذا بالسؤال يقعده، واندفعت كفاه تعصران معدته عصراً، وفجأة صرخ:
- سكاكين ببطني يا درة.
وعندما لحق به أخوه، كان قد تهاوى على السجادة.
بعد دقائق، بعد ربع ساعة، وربما بعد نصف ساعة، أطبق عبد الواسع جفني رمزي مردداً الشهادة.

الصفحات