كتاب " مع الشعر والشعراء في الاندلس " ، تأليف د.
أنت هنا
قراءة كتاب مع الشعر والشعراء في الاندلس
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
والملاحظ ان هناك شبه بينه وبين ابن الحداد (ت480هـ)([29]) في التغزل بهذه الفتاة، وقد ذكر صاحب الذخيرة في ترجمة ابن الحداد ان اسمها الحقيقي هو جميلة، وكان يصحفه إلى خميلة ([30])، (وكان يسميها نويرة كما فعله الشعراء الظرفاء قديماً في الكتابة عمَّن أحبوه وتغيير اسم من علقوه) ([31])، ولقد أكثر ابن الحداد من ذكر نويرة في شعره ([32])، وكذلك فعل ابن بليطة ([33])، وعلى هذا الأساس هل من الممكن ان نجزم بان هذه القصيدة أو غيرها هي لابن الحداد، ولاسيما ان صاحب الذخيرة الذي نقل عنه جامع شعر ابن الحداد (د.علي يوسف الطويل) هو اقرب إلى عصر الشاعرين، وبالتالي أوثق نقلاً. الجواب لا يمكن ان نجزم بذلك؛ لان الغلط وارد وان قرب العهد، مع استفاضة الأخبار عن ابن الحداد، وقلَّتها عن ابن بليطة !، ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يشر صاحب الذخيرة أو غيره إلى بقية القصائد التي ذكر فيها ابن بليطة تلك الفتاة، وانفرد صاحب الخريدة بذكرها، وابن الحداد لم يقتصر على هذه الكنية في شعره، وانما كنَّى بأسماء أخرى كما ذكر جامع أشعاره:(واذا ما ذكر في غزله أسماء فتيات مثل لبينى، ولبنى، وسليمى، ومهدد، فانه يرمز بها إلى محبوبته المذكورة؛ لأنه لم يكن يريد ان يصرح باسمها الحقيقي... والتصريح بأسماء النساء المعشوقات في شعر الغزل لم يكن ظاهرة منتشرة في عصر الشاعر، ولا في العصر السابق، عصر الدولة الأموية بفترتيها:الإمارة والخلافة) ([34])، فهل حذا احدهما حذو الآخر في هذا الباب، ولاسيما انهما كانا شاعرين متعاصرين، فقد كانا من شعراء المعتصم بن صمادح، وان كانت هذه المسألة فيها نظر، فالمعتصم ولد سنة 429هـ، وابن بليطة توفي سنة 440هـ اي انه كان شيخاً كبيرا عندما عاصر ابن صمادح وهو حدث صغير في الحادية عشرة من عمره، وابن الحداد توفي سنة 480هـ اي قبل ابن صمادح الذي توفي 484هـ، فكان معاصرا له بحق، وشاعر بلاطه في اوج عظمته لذلك استفاضت عنه الأخبار، والفارق بين وفاة ابن بليطة وابن الحداد اكثر من أربعين سنة اي ان الأول اسبق من الثاني بكثير، ولم تذكر الكتب التي أشارت إلى ابن الحداد سنة ولادته، او ما إذا كان قد عمَّر طويلا، أو ما إذا كان قد التقى ابن بليطة، ولو كان الأمر كذلك، فإنه يكون قد عاصره في أخريات أيامه، ومن غير المعقول ان يتأثر السابق باللاحق ولاسيما ان ابن بليطة كان في نهاية العقد الثامن او التاسع من عمره، والشعراء يميلون إلى الزهد كثيراً في أشعارهم في هذه الفترة، ربما كان الأمر كذلك، وربما كان عائداً إلى الخلط بين أوراق الشاعرين، الذي قد يكون من أسبابه ايضاً ورود ترجمة الشاعرين في بعض المصادر مترادفة ([35]).
اما الباب الآخر فهو باب الوصف، والملاحظ انه في اغلبه جاء على شكل نتف ومقطعات خلا بيت يتيم واحد، فجاءت هذه الأشعار على شكل ومضات سلط الضوء فيها على أشياء معينة وقع عليها ناظره، فيصف النفط والزورق والياسمين مع النارنج والروض وقوس الله مع الثلج، والساقي الذي خصه بأكثر من مقطوعة، وفي مواضع أخرى يصف ثقيلاً أو يوماً ماطراً أو محبوباً أو مجلس شرب او شمعة ([36])، فله في وصف الانفاط التي كانت تستعمل سلاحاً في حرق سفن الأعداء:
والنفط مهما افترَّ فوهُ فاغرا
أجرى لسانَ النار فوقَ الماءِ
فكأنه ذهبٌ بدا في صارمٍ
أو رَجعُ برقٍ في أديم سماءِ([37])
وقد أجاد في هذه الأوصاف كما أراد، وأشعاره في الوصف تكاد تغطي ما تبقى من شعره إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان قصائده المدحية تحوي من الغزل والوصف الشيء الكثير والذي يطغى على الغرض الاساس؛ لان قصيدته في مدح المعتصم بن صمادح قد اعتراها الانتقاص .
وله في باب المديح قصيدتان: الأولى في مدح المعتصم بن صمادح (وهي من أطول قصائده)، والثانية في مدح المعتضد، والشيء المستغرب هو وجود هذين النصين فقط مع ما ذكر سابقاً من انه طاف الجزيرة شرقاً وغرباً، وكان من الشعراء المنتجعين، وتردد على ملوك الطوائف، وانه مدح ملوكاً طوَّقهم من مدائحه قلائد، ومعظم أشعاره في بني صمادح، فهو شاعر المعتصم بن صمادح، ومجازيه المنائح بالمدائح، فمع كل هذا الكلام وكل ما قيل لا نجد إلا هذين النصين في باب المديح، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان شعر ابن بليطة قد ضاع ولم يصل إلينا منه إلا بعض ما تفرَّق في بطون الكتب هذا ان ذكرت المدة الطويلة التي عاشها مقارنة مع ما وصل من شعره.


