كتاب " الريح ظلاً " ، تأليف إيهاب حمادة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقد
أنت هنا
قراءة كتاب الريح ظلاً
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
قارئة الفنجان
اتكأتْ جدّتي على مسندها الخشبيّ المطرّز بألوان الصدفِ العاجي، وقبالتها التلفاز وقد اتّسع سطحه لعشرات الفناجين المرسلةِ من شاغلي الحارة القديمة، وأمامها انتصبت النارجيلة ذات القصبة الخشبية الموشّاة بحبات السرو، وقد علاها تاجٌ نحاسيٌّ، زادت الرسوم الفرعونية من أبّهته، وعن يمينها الباب الخشبيّ المعتّق بكفّي جارنا “أبي ماهر”، فبدا تحفة أثرية توسّطته نضوةٌ بنيّة.
وإن أنسَ فلا أنسى ذلك البساط الأحمر المزركش بقرصٍ شمسيٍّ مذهّب، عبرتْ فيه أسراب من الحمام الأسود، وقد مال عليها السائل الذهبي فأبدعَها مذهّبة الأجنحة، انثالت منها جدائلُ صفراء لامست زوايا البساط.
لم تكن جدّتي قارئة فنجان، ولكنَّ سوء حظ «سميّة» خلعَ عليها تلك البِدعة، فكان بيتُها محجّةَ الصبايا.
سميّة فتاةٌ بلّوريّة الوجه، تشلح شعرها على كتفيها غمامتين سوداوين تشبهان تلك الغمامة المستقرّة على كتف الصنوبرة الشاهقة في جوار منزلها - هذا ما قالته الجدّة -.
عيناها صيوانان واسعان تتيه فيهما الدروب، وتسافر على ألق لا أعهده في غيرها من الحسناوات اللواتي كنّ يصطرعن على باب جدّتي، وأنا أقف مسمّر القدمين تسافر عيناي مع
الوجوه، فتخلع عليها الدهشةُ الطفولية البريئة غموضَها.
ربّما تحسّستُ الجمال بخاطر لم يكن ليولد بعدُ،
ربّما...
لا أدري...


