أنت هنا

قراءة كتاب امرأة لن تتكرر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
امرأة لن تتكرر

امرأة لن تتكرر

كتاب " امرأة لن تتكرر " ، تأليف عماد أنيس بيطار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر وال

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 5

ضحك المحامي بشكل مفرط، وكادت وجبة أسنانه تسقط من فمه، فتراءى لي بأنه لم يضحك في حياته كلها مثل ما يفعله الآن! ثم نهض عن مقعده مثل شاب رشيق الحركة وتقدم ناحيتي. توقف أمامي مباشرة، وانحنى برأسه لتزول المسافة الفاصلة بين رأسينا. لمس أنفه أنفي! لكنه سرعان ما تراجع مسافة شبر إلى الوراء، رافعاً يده ليمسك بنظارته ويعيدها إلى مكانها المناسب بعد أن تزحزحت عنه قليلاً. نظر اليّ عن كثب من خلف عدسات سميكة، إذ كان يعاني من قصر نظر في عينيه. إنه طراز قديم من البشر. قليل الكلام ويحرص على ألَّا ينفق منه أكثر مما ينبغي. فهذا النمط من الناس لم يعد يتم تصنيعه حالياً، ويندر وجوده في هذه الأيام. وربما هو القطعة الوحيدة المتبقية على وجه الكرة الأرضية. لكن الغريب والعجيب أن تستخدمه تلكَ السيدة المتوفية وكأنه آخر محامٍ على قيد الحياة. راح يحدق بي. ولم يكن لدي مجال للتذمر والاحتجاج! وعند هذه اللحظة رد على سؤالي الذي سألته إياه قبل قليل:

ـ لا يوجد كاميرا خفية ولا من يحزنون... فأنا لا أمزح يا سيد عماد... ما قلته لك كان صحيحاً مئة في المئة.

ـ إن ما ذكرته لمغرٍ جداً... ولا يسعني الا قبول رغبة تلك السيدة المتوفيّة... ألا توافقني الرأي يا سيد ابراهيم؟

ـ يا سيد عماد... يمكنكَ الرفض إذا شئتَ... وأن تعود إلى حياتك السابقة.

ـ إذا لم أوافق على قبول شروط الوصية، فسيعتبر تصرفي هذا إساءة بحق المرحومة... ويُعد تصرفاً طفولياً لا معنى له.

إنه حقاً لأمر عجيب! لم يكن بمقدوري أن أفرح للنتائج التي آلت اليها المحادثة مع المحامي فحسب، بل لم أكن أصدق ما جرى من فرط السعادة التي حلّت بيّ فجأة. فلأول مرة في حياتي كنتُ مشحوناً بجرعة كبيرة من الأحساس بالنشوة والاعتزاز بالنفس لدرجة لا يمكن تقديرها بأي آلة قياس. فهذه الوصية غيّرت رؤيتي إلى الحياة. فلم أعد ما كنتهُ بالأمس، ذلك الانسان الذي ودَّ أن يتوقف عن الوجود ويكف عن القيام بملء رئتيه بالهواء. بينما الآن، وبفضل هذه الوصية غدوتُ أعشق الوجود وكل موجود، حتى من كان على نسق هذا المحامي العتيق الذي قال لي:

ـ من الآن وصاعداً... عليك بنسيان حياتك الماضية، والاستعداد إلى ما هو أبعد بكثير من حياتك الحاضرة... فأنتَ الآن أمام لحظة، "ولا في المنام تراها".

تابع حديثه وأنا لا أزال مشتت الانتباه، وعدم انتباهي لم يكن يوحي بأي مغزى سوى أني لم أزل مشوشاً من الفرحة. حاولتُ جاهداً مراجعة وقائع الأحداث لتبدوَ أقرب إلى الفهم لأن ما يحدث هو شيء رائع للغاية، شيء شديد البعد عن عالم التصديق ويمكن وصفه بعبارة واحدة فقط، ألا وهي: "صدق أو لا تصدق".

مرت أفكار كثيرة في رأسي. لم أدرِ أية فكرة أريد! ما أريده في هذه اللحظة هو نسيان الماضي والّا أعود إلى ذاتي التي عشتها سابقاً. فذكرياتي القديمة تحوّلت الآن إلى كومة نفايات، ومن يرغب باسترجاع النفايات؟ حتماً لا أحد. بقيتُ مسترسلاً في تخيلاتي. وسبب ذلك أني في كنف ساعة ميمونة حملت السعادة اليّ، فحق لي أن أحلم. ولم يسعفني أحد في العودة إلى اليقظة سوى ترديد اسمي لأكثر من مرة: "يا سيد عماد... يا سيد عماد...يا سيد عماد". وذلك بعد أن لاحظ المحامي غياب أية ردة فعل من جانبي تجاه حديثه! فاستيقظتُ قائلاً:

ـ نعم... نعم أسمعك يا سيد ابراهيم... لكن هل تكرر ما قلته للتو من فضلك.

ـ أمامك ثلاثة شروط في هذه المرحلة... وعليك الالتزام بها... وإلا ستؤول الثروة بكاملها إلى الهيئات الخيرية.

ـ سألتزم حرفياً بالنص الوارد في الوصية... وإذا شئتَ أن أكون أكثر دقة في التعبير... سأتقيَّد بالضمة والفتحة والكسرة.

ـ حسناً تفعل يا سيد عماد (يبتسم)... والآن تفضل وخذ هذا الدفتر. (يعطيه دفتراً).

ـ ما هذا؟

ـ دفتر مذكراتها اليومية... لقد تركته لكَ لتقرأه وتتعرف إلى شخصيتها وكأنكَ تعيش برفقتها... وهذا الأمر قد أكّدت عليه في وصيتها.

ـ لا يهمني إطلاقاً أن أعرف شيئاً عن شخصيتها أو عن يومياتها في الوقت الحاضر! ألمْ تمت؟

ـ بلى

الصفحات