إلى كل الشهداء الذين سطروا بدمائهم محو عار الصمت
امتداداً من درعا البدء والغنم وقهر الصمت
وانتهاءٌ بحلب قريض الشهادة، وشهامة الردّ
وما بينهما
دمشق عطر التاريخ، وصخب الوقت، وأريج الوعد.
You are here
قراءة كتاب خبز ودم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

خبز ودم
الصفحة رقم: 4
- القتلة.. الهمج.. دون ذنب، دون أي تهمة.. إلا الرأي وقانون (49).. إنه من الجماعة وحسب.. أعرفه منذ كان.. لم يأت بشيء.. ولم يحمل آلة أبداً.. الحقد.. الحقد.. الحقد هو متاهتهم.. رحمك الله يا سعيد، يا شهيد..
ج- أول الخبر:
تنتظرون أن أقص عليكم كيف كان.. وكيف عاش؟ تنتظرون.. وروحه تحوم في دنياكم، تتوقع أن تكونوا رعداً، وقتاً مملوءاً بالأعمال، لترتاح في مأواها تحت الظلال..؟ لا عليكم، فسوف لن ألوذ بالصمت، ولن أخذل روحه بالتغطية على فعل الجلاد، ليبقى حواة السلطان يجوبون بالقتل والغدر آفاق المدن، وبالتعذيب أقبية السجان..
كان سعيد شاباً يضيء ببشرته الشقراء ليل السارين، وبعينيه الزرقاوين يبحر مع الضوء المنبثق من الكتاب، وبسنواته الخمس والعشرين اقتحم كبد الحقيقة، فكان حمامة في المسجد، وانضم إلى ركب الدّاعين، يؤدي دوره بحنين وهدوء وسلام، كان يعمل (خياطاً)، وقد علمته مهنته الدقة والحذر.. أما قامته المديدة، ووسامته الطفولية، ولسانه العسلي، فقد قربته جميعاً إلى القلوب، فأوغل في دعوته؛ عملاً دؤوباً، ولساناً طلقاً، وطلعةً تتفاءل النفوس بالاقتراب منها، نَمّى فهمه، وعمّق نظرته، وروّى قلبه بسهر الليالي، وأعطش نهاره بالصوم، ومع هذا فإن ذلك لم يجلب لحراكه الخيلاء أو الاستعجال، بل كانت الأناة والانتظار الهادف يشكلان رؤيته للتعامل مع الأسوار.
قلت له مرةً:
- سعيد.. يجب أن تخفف من نشاطك. ألا ترى وتسمع الذي يفعلونه في كل الأنحاء.. في حلب والشغور ودمشق وفي حماة والأرياف..؟ إنها أيام دم وظلم..!
- يا أستاذي.. مِمَ أنت خائف.. أنا لا أقوم إلا بأقل الواجب نحو ديني..
- ولكنك تعلم أن الجو محتقن، وأن نار الجلادين عالية، والأمر يحتاج إلى بعض الحكمة..
تناول سعيد كتاب الله، وقلب بعض صفحاته وقال وقد شرقت كلماته بذيل دمعة:
- أستاذي، إني أقتسم وهذا الكتاب الوقت ولا شيء غير ذلك، فهي الكلمة.. الكلمة يا أبا محمد.

