المجموعة القصصية («تحت حوافر الخيل»، و«متراس أبو فياض») الصادرة عن دار الفارابي، أبدع الكاتب الراحل محمد عيتاني فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل عادي، في القسم الأول من المجموعة: «تحت حوافر الخيل» حت
You are here
قراءة كتاب تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وكما أذكر، ظل أخوالي وقتاً طويلاً يحاولون إقناع والدي بترك السباق وألعاب القمار. ووصل الجميع إلى الصياح في النهاية؛ كان والدي يصيح: ألعاب القمار هي مهنتي! أنا ألاعب الناس لأسيِّر المقهى. هل تريدون أن أعتمد على ثمن فنجان القهوة أو نفس النارجيلة؟ أم تريدون أن أقلب المقهى لبيع السحلب والعرق سوس؟
صاح أحد أخوالي: في العام الماضي بعت ألف ذراع من أراضيك في زقاق الحمراء! فأين ثمنها الآن؟ عشرة آلاف ليرة! ألا تخاف الله في أموال أولادك؟ ها قد مر علينا خمسة عشر عاماً ونحن نواصل نصحك بلا فائدة. في البدء كانت ألعاباً بسيطة. إرساليات مع بقية السبقجية. ورقة بخمس ليرات. ورقة بعشر. وحين نبهتك أم زكريا، وكانت لا تزال عروساً في أسابيعها الأولى، سارعت إلى ضربها. وبعثت بها إلينا والدماء تنزف من فمها وعنقها. صحيح أننا عدنا لزيارتك في الليلة ذاتها. لكننا في النهاية، وعند المصالحة، أوضحنا لك أننا لا نحقد عليك، ولا نضمر لك إلا المحبة والخير. أنت صهرنا المحبوب. والصهر سند الظهر، كما يقول الناس عندنا. لكن ضرب الزوجة لأنها ترجو زوجها عدم الغرق في سباق الخيل ماذا تسميه يا أبا زكور؟
تساءل أبي غاضباً ـ هل سنعود إلى التاريخ القديم؟ الآن ماذا تريدون؟
قال خالي الأكبر ابراهيم، محاولاً أن يهدىء نبرته قدر استطاعته:
ـ لقد أصبح أولادك شباناً وفتيات، بعضهم بدأ يحصل على الشهادات، وبعضهم الآخر أصبح صالحاً للزواج. ولقد مللنا من كثرة النصيحة والوعظ والإرشاد طوال كل هذه السنين. لقد اهترأت مشّاياتنا ونحن رائحون غادون إلى عندك، ومن عندك. وعلى كل حال نحن في أكثر الأحيان نتكلم باسم أم زكريا.
كانت أمي تجلس عند زاوية «طبلية» السفرة، محولة وجهها عن وجه أبي، بعض الشيء، إما خجلاً، أو حرداً، أو من الغضب. وأردف خالي.
ـ والآن جئنا لنقول لك الكلمة الأخيرة. فإما أن تعيش «بحق الله» مثل سائر الخلق، وإما أن تعود أختنا إلى بيتنا. وأنت تتدبّر شأنك مع أولادك!
أدرك أبي أن التهديد ليس تهويلاً فارغاً أو كلاماً يلقى جزافاً في الهواء. كان أخوالي من المزارعين الصارمين، والرجال الأشداء، ولم يكن أبي يقل عنهم شدة وعزماً. لكنه كان، كما يبدو، في موقف أضعف، وعلى كل حال، كان يحسن المناورة والمسايرة. فقال لأخوالي.
ـ يا إخوان. والله العظيم ما لازم توصل بيننا المسائل لهون. قلت لكم: في المقهى ألاعب الناس لتسير الأمور على ما يرام!
ـ وفي بارك سباق الخيل يوم الأحد؟ هل يفوتك أحد لا تذهب فيه الى سباق الخيل؟
ـ هذه تسلية وحياة ابن العم ابراهيم!
ـ لعن الله هذه التسلية التي تكلفك مئات الليرات بل الألوف شهرياً، وأسبوعياً أحياناً.
ـ لا تبالغ يا أبا أحمد. مرة واحدة خسرت مبلغاً كبيراً. ومن الذي قال لك إن ثمن الأرض قد أنفقته كله. إنني أحتفظ بقسم كبير منه لتوسيع المقهى.
ـ إن شاء الله يكون ذلك صحيحاً. و«نجم الصحراء» ما قصته يا أبا زكريا.
نظر أبي في غضب نحو أمي. إنها وحدها التي يمكن أن تخبر أخوالي باعتزام والدي شراء جواد سباق. هو الجواد صاحب الاسم المذكور آنفاً.
قال أبي بعد أن نهض وصنع القهوة بنفسه لأخوالي وألح عليهم بشربها:
ـ يا إخوان. بالفعل سباق الخيل مصيبة. خصوصاً لمتوسطي الحال أمثالنا. والباشا «شاتيلا» نفسه، صاحب عشرات الجياد في السابق كان منذ أسبوعين عندنا، في المقهى، وكانت تحيط به جماعة كبيرة من الفتيان والرجال. هواة السباق، فقال لهم وهو يهز عصاه، ويفتل شاربيه الأبيضين:
ـ يا أولادي. لا تظنوا أن باستطاعة أحد أن يقتلع صنوبرة من بارك بيروت!
وضع خالي الأكبر فنجان القهوة على طاولة الطعام المنخفضة، وقال بعد أن رشف منه رشفة طويلة:
ـ وماذا فهمت من عبارة الباشا «شاتيلا» يا أبا زكور؟


