قراءة كتاب تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

المجموعة القصصية («تحت حوافر الخيل»، و«متراس أبو فياض») الصادرة عن  دار الفارابي، أبدع الكاتب الراحل محمد عيتاني فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل عادي، في القسم الأول من المجموعة: «تحت حوافر الخيل» حت

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 4

بعد هذه الايمان المقدسة، وفي صباح الأحد التالي كان والدي يخبر حلقة من لاعبي سباق الخيل تجمعت حوله، في زاوية مقهانا، تحت شجرة أزدرخت، مطلة على أمواج البحر الزرقاء اللطيفة، قال:
ـ هذه الليلة، يا إخوان، رأيت الإمام الأوزاعي بنفسه ممتطياً فرساً بيضاء، تسير به الهوينا، في أزقة محلتنا رأس بيروت، بين الحقول والمنازل. اعترضت سبيله وقلت له: دون أن أعرف في البدء من يكون، السلام عليكم يا حضرة الإمام. نظر إليّ الرجل الوقور، الأبيض اللحية، الكبير العامة، وأجاب:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كيف حالك يا أبا زكريا؟
ـ «الحمد لله. الحمد لله يا شيخي». ثم سرعان ما دهشت كيف عرف الرجل اسمي. كان شيء ما في أعماقي يقول لي: أنت في منام. وكل شيء جائز الآن. لكنني سألت الشيخ الوقور، الذي كانت تحيط بوجهه هالة من نور رباني:
ـ وكيف عرفت اسمي يا أستاذنا؟
ضحك الشيخ الفارس وقال: نحن يا محمد أبا زكريا، والحمد لله، من أهل الكشف، واسمك، بالنسبة إليّ، مكتوب، على جبينك.
سارعت وأمسكت بعنان الفرس البيضاء التي كان يمتطيها الإمام وقلت له: طيب، يا شيخي، بحق الرسول، ألا أعطيتني «تعليمة» جيدة، تصيب مئة بالمئة، أكسب بواسطتها ثروة كبيرة، وتكون الزيارة الأخيرة لميدان السباق، لكي أبر بقسمي المقدس لأشقاء حرمتي أم زكريا؟ أرجوك يا إمام. المسألة مسألة حرام وحلال. مسألة نبي ورب. نظر إليّ الشيخ وقد افترت شفتاه المكسوّتان بشعر شاربيه ولحيته البيضاء عن ابتسامة ساخرة وسألني:
ـ والمشايخ أهل الكشف تريد أيضاً أن يعطوك «تعليمات» لسباق الخيل؟ ألا تخجل يا أبا زكريا؟
ـ يا مولاي. أريد أن تكون هذه «التعليمة» العلاج والدواء. وستكون آخر زيارة لي إلى «بارك سباق الخيل» إن شاء الله. فقط ساعدني قليلاً يا مولاي.
أطرق الشخ يفكر ولا شك. وتمتمت شفتاه بتسابيح علوية. كانت فرسه تتململ تحته وقد نفذ صبرها لطول وقوفها تحت الشمس ولا شك. لكن الشيخ الإمام شدها من زمامها بقوة وقال لها كلمة واحدة، فهدأت تمام الهدوء، وأصبحت كقطعة الفضة المصبوبة الكبيرة. قال الشيخ وهو يفتح في عينيَّ ـ عينيه اللوزيتين الواسعتين المشعتين بإشعاع غريب:
ـ وهل تعدني، يا أبا زكريا، بأن زيارتك، الأحد القادم لسباق الخيل ستكون حقاً الزيارة الأخيرة إذا أعطيتك «تعليمة» ممتازة، تحقق لك كسباً كبيراً؟
ـ أعدك يا أستاذ، وأقسم لك بكل ما تريد.
ـ لا تقسم بشيء. حوافر الجياد مرسومة في دمائك منذ أن كنت طفلاً. منذ أن كان والدك المرحوم الحاج عبد الغفور يجلسك في حضنه وتنظر أنت إلى الجياد وهي تنطلق مرتدية قمصانها الملونة محركة سيقانها العجيبة، رافعة ذيولها الحمراء والبيضاء. لا تقسم لي بشيء. لكنني أكلمك كلام رجل لرجل.
ـ أنا بأمرك يا أستاذ. فقط تكرم عليّ بهذه «التعليمة» وسترى مني ما يرضيك، وستشهد وفاء الرجال بعهودهم.
قال لي الإمام وهو يشد بزمام فرسه البيضاء:
ـ هل تعرف الكتابة يا أبا زكريا؟
ـ أعرف قليلاً. وأنت تعلم أنني كنت أهرب دوماً من دروس الشيخ ياسين التي كان يعقدها تحت الجميزة. وكانت جوائزه للمجتهدين نقوع وقمر الدين.
ضحك الإمام الوقور. وقال: ذاكرتك ممتازة. احفظ، إذن، هذه «التعليمة»:
جوادان لفرعون إلعبهما. والعب أيضاً: «سهم الجبل». «عنفوان». «ملك الليل». «المريخ». «تيمورلنك». هذه الجياد لجميع الأشواط. ولا تلعب على غيرها. إلعب غانييه وبلاسيه وكل ما تريد. قل لجماعة البارولي يوسعوا نشاطهم هذا الأحد. فهذا اليوم سيكون يومكم. والآن السلام عليك يا ولدي. إسمح لي بالانصراف.
تقدمت مجدّداً ورددت للشيخ الإمام «تعليمة» السباق. فجاءت مضبوطة باستثناء اسم أحد الجياد. فقد قلت أنا «نجم الليل» فصحح لي الشيخ.
ـ بل «ملك الليل»، يا أبا زكريا لا «نجم الليل». هل نسيت أنّ «نجم الليل» مسحوب من اللعب لأن سائسه بالاتفاق مع الجوكي وصاحبه أعطوه بلعة انكشف أمرها منذ ثلاثة أسابيع. حقيقة كان الشيخ الإمام من أهل الكشف. لذلك فقد تقدمت لأقبّل يده، بعد هذه «التعليمة» المقدسة لكنه سحبها مني بسرعة وشدة وقال: والآن إسمح لي يا ولدي بالذهاب.

Pages