قراءة كتاب تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

المجموعة القصصية («تحت حوافر الخيل»، و«متراس أبو فياض») الصادرة عن  دار الفارابي، أبدع الكاتب الراحل محمد عيتاني فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل عادي، في القسم الأول من المجموعة: «تحت حوافر الخيل» حت

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

وهذا عيب. يوماً يأخذون أختهم، ويوماً يعيدونها إلى بيت أخينا كأنهم أعارونا منقرة كوسى، أو شوبكاً، ولم يعطونا عروساً، وأم أولاد. وسانده عمي خالد، بياع الكاز، وصاح كأنه ينادي على كازه في أزقة المحلة:
ـ والله عيب ونص! صار ابنها الأكبر في الخامسة عشرة من عمره.
وقال المعلم الابتدائي: لا تحتموا يا جماعة. روقوا كما يروق الزيت! بعد قليل تعود المياه إلى مجاريها كسابق عهدها. ونظر إلى ساعته كأنه يضبط حصة الدرس.
وأيده عمي الدهان: الأمر كما قلت. بعد ساعة أو ساعتين تعود الست أم زكريا مع صغيريها إلى منزلها، وينتهي كل شيء. وتدخلت عمتي نفيسة، وهي امرأة في حوالى الأربعين، نحيفة مثل زكريا وعائشة، لكنها سمراء فاحمة السمرة تتكلم بلهجة عصبية بعض الشيء:
ـ مهلاً يا جماعة. أنتم، ولا مؤاخذة يا أخوتي، تفصلون الأمور «على ذوقكم». لو كنت مكان أم زكريا لما فعلت إلا مثلها. صحيح أبو خير الدين (زوج عمتي، وكان هو أيضاً دهاناً وطراشاً) يشرب دمعة، ولكن من الأحد للأحد بطحة، مسألة غير هامة. على كل حال، لقد اتفقت معه على أنه كلما أفرغ بطحة عرق، وأنهى شربها، أكسرها على رأسه. وقاطعها عمي الأستاذ: عجيب، نحن بلغنا العكس. لقد أخبرونا أنك في تلك الليلة تهجمين على شنبه تبوسين منه الجانبين. هكذا قال لنا بعض جيرانكم. واحدهم مؤذن لا يمكن أن يكذب!
ـ لا والله. في تلك الليلة لا أسمح لزوجي «أبو خير الدين» أن يقترب مني. إنني أكره رائحة العرق من «سفر سنة». والآن نعود إلى أبي زكريا. لقد زادها في مسألة القمار. علمتم ولا شك أنه منذ أشهر باع قطعة أرض في «محلة قريطم» بعشرة آلاف ليرة.
ـ قام بتحسين المقهى بها.
قالت عمتي نفيسة بنبرة عصبية: تلك الأموال، ثمن الأرض، لم يصرف منها قرشاً واحداً على المقهى. لقد خسر المبلغ كله في ميدان السباق. وهذا حرام. هذا الرجل عنده أطفال وعنده شباب وعنده بنات، بعد أشهر أو سنوات قليلة يصبحن «تحت نصيبهن». وأبو زكريا يبدد أموال هؤلاء الأولاد القصر. عيب وحرام والله.
قال عمي بكري، الدهان: نفيسة، والله تقول عين الصواب. لكننا نتحدث عن تدخل آل التمرهندي.
ـ آل «التمرهندي» يتدخلون بسبب ما أذكره لكم. إنهم يريدون مصلحته ومصلحة ابنتهم وأولادها، إنهم يرون، بأم العين، الخراب الذي حل بعشرات ومئات قبله. صحيح الجماعة فلاحون مزارعون. لكن الحياة عجنتهم وخبزتهم.
قال عمي خالد، بياع الكاز: عشرات ومئات باعوا بيوتهم وأرزاقهم ووضعوها في أذناب الخيل، أموال الفقراء والعائلات الكريمة تصب في خزائن فرعون وفستق وسرسق وبندق والباشا شاتيلا وخرا كلاب وسائر مليونيرية أهل البلد. صحيح والله، لكن إخواننا آل «التمر هندي» يستطيعون بالكلمة الطيبة أن يقنعوا أخانا... وليس بلجوئهم كلما دق الكوز بالجرّة إلى أخذ شقيقتهم، وجعلها تحرد وتشمع الخيط هاربة من بيتها.
قالت عمتي نفيسة: هناك مسألة تنسونها. والآن أذكركم بها. وأسألكم: في أي يوم تشتد أعمال المقهى أكثر من سواه؟
أجاب عمي بكري: في يوم الأحد طبعاً.
ـ وفي أية ساعة؟
ـ بعد الظهر.
ـ وأين يكون أخوك المحبوب أبو زكريا في تلك الساعة.
ــ في ضيافة ميدان سباق بيروت... صحيح... معك حق. المسألة ملعونة، وآل التمر هندي على حق.
وتدخلت زوجات أعمامي في الحديث وتشابكت الأصوات، وارتفع صياح عدة نساء معاً، وكان بينهن من تحكي عن تطريز الغانفا وثانية عن مشاجرة حدثت داخل قن دجاج الدكنجي أبو سليم الذي كمش حارس المحلة يلعب لعبة «أنا النحلة ـ أنا الدبور» مع نزيهة زوجة الدكنجي داخل قن الدجاج. وقالت زوجة أحد أعمامي تجد للعاشقين العذر: طيب كان الطقس بارداً. إلى أين يذهبان؟ اقترح عمي، معلم الصفوف الابتدائية: سطح الفرن كان أنسب شيء للست بدور والشاطر حسن. ثم طلب أحد أعمامي منا أن نحضر ورقاً للعب. وسأل عمي بكري بين مازح وجاد:
ـ اللعب تسلاية أم عن مصاري؟
فحدجته زوجته بنظرة قاسية. فطمأنها قائلاً: الدق بربع ليرة، لا غير.

Pages