كتاب " حدث في مثل هذا اليوم " ، تأليف هاني القنطار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب حدث في مثل هذا اليوم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حدث في مثل هذا اليوم
-6-
كانت الأيام تجري مراكمة وراءها الشهور والسنين، وكان أيوب يتحمل تبعاتها وتحولاتها بصبر، وكل ضربة كان يتلقاها لم تكن لتميته بل كانت لتقويه، فأخذ رأسه يتطاول كدالية عنب نحو مفاهيم جديدة عن الحياة التي يعيشها.
حدث مرة أن زار الأستاذ سهيل بيت أيوب، فاستقبله والده بكل ترحاب:
- كيف خطرنا على بالك؟
- الحقيقة يا أستاذ يوسف، منذ وقت طويل وأنا أفكر بزيارتك، لكن كما تعرف فإن الظروف تقف أحياناً حواجز أمام الرغبات.
- البيت بيتك. أهلاً وسهلاً بك في أي وقت تشاء.
دار نقاشهما بحكم مهنتهما كأستاذين حول قضايا التعليم وحول المناهج التي لابد أن تتغير وتتطور، وتحدثا أيضاً عن ارتفاع الأسعار وعن هموم الشباب.
شرب الأستاذ سهيل قهوته وطلب من الأستاذ يوسف أن يتكلم مع أيوب على انفراد.
- تريد أن تتحدث مع أيوب؟ هل فعل شيئاً سيئاً معاذ الله؟
- لا على العكس تماماً يا أستاذ يوسف ابنك من خيرة الشباب، إلا أنه يوجد موضوع خاص أريد أن أبحثه معه على انفراد بعد إذنك.
نادى السيد يوسف على ابنه ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
قال الأستاذ سهيل:
- أصبحت يا أيوب في عمر يسمح لك بأن تفتش عن هدف في حياتك، إن انتماء الإنسان لفكر معين يعطيه هوية. ثم فتح حقيبته وقدم له مجموعة من الكتب وأضاف:
- أنتظرك الخميس مساءً في بيتي، ستتعرف على رفاق من عمرك.
وبعد أن غادر الأستاذ سهيل عاد أيوب إلى غرفته وبدأ يقرض الكتب كفأرٍ جائع.
كان الأستاذ سهيل خطيباً من الدرجة الأولى يحَضر كلماته كما يحَضر الساحر عمله، وكان أيوب في سنواته الأولى في الحزب يحاول تقليده فصار يمشي مثله ويدخن مثله ويستخدم كلمات لا يعرف معناها، ربما لكي يعرض ثقافته أمام رفاقه أو لكي يختبئ وراءها من أجل أن لا يفضح جهله.
لقد قاد الرفيق سهيل أيوب ورفاقه إلى عالم جديد لا يرون فيه صورتهم إلا من خلال التزامهم، كان عليهم أن يكونوا شباناً مثاليين فنسوا كل ما يمكن تسميته بالابتذال، حتى إنهم نسوا الغزل ونسوا العشق وتحولت المرأة بالنسبة إليهم إلى موضوع لورشة عمل بدلاً من أن تكون نشيد حب أو قطرة ندى تتأرجح على زهرة أقحوان، وبدأ الخوف من الخطأ يفزعهم ويحوم فوق رؤوسهم كطائر متوحش يترقب فرصته للانقضاض في أية لحظة، وبدأ الشعور بالمسؤولية يدفعهم إلى حالة من القلق الدائم والعمل الدائم أيضاً حتى إذا تأخر هطل المطر في الشتاء كانوا يشعرون أنه جزء من مسؤوليتهم.
وتلون التزام أيوب في البداية بألوان الطيف، لكنه شيئاً فشيئاً أصبح يميل إلى السواد حين أيقن أن الأستاذ سهيل والمسؤولين في الحزب لم ينبسوا ببنت شفة وصموا آذانهم عندما اعتقلت السلطة رفيقهم جهاد.
تحدثت القرية عن أن جهاد كتب على جذوع الأشجار: أطلقوا سراح التفكير. وتحدثت الطيور أنه سقطت من عينه دمعة فامتلأت الحقول سنابل. وتحدث الناس أنه ذات يوم أخذه البوليس وكانت أمه تبكي وتصرخ: إلى أين تأخذونه؟... ماذا ستفعلون به يا كلاب؟... أعيدوا لي ابني.

