كتاب " بحث في الإقتصاد العادل " ، تأليف بيار كالام ، ترجمه إلى العربية محمد صالح فليس ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جا
You are here
قراءة كتاب بحث في الإقتصاد العادل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
بعد مضي عشر سنوات، بينما كانت أورور لالوك تمضي فترة تربص (تدريب) في مؤسّستنا، قامت بالتمرين ذاته في مناخ أقرب إلى الحركيّة المناهضة للعولمة، فأحصت قرابة 250 «تحدّياً»، وهو ما حدا بأصدقائي الشبّان من سن 14 و15سنة أن يسألوني، بإلحاح، كم تحدّياً من هذه التحدّيات استجمعت في نصف نهاري؟! سؤال طيّب للإعراب عن الشعور بالانسحاق والاختناق الذي يتسلل إلى الحنجرة عندما نستعرض مثل هذا العدد الهائل من التحدّيات حبة حبة مثل حبات السبحة؛ أمّا قائمتها فتقع ضمن منظور يتصف بنضاليّة أعلى من سابقتها إن جاز القول، بمعنى أنَّ المنطوقات تقع في منتصف الطريق بين النتائج والأسباب، وهي تبحث، الآن، عن آليات للتفسير المطبوع بوضوح بفكرة الإجماليّة الاقتصاديّة للعقود الأخيرة؛ وهو، وإن لم يمثّل التفسير النهائي فإنَّه في أقلّ تقدير، يمثّل معطى جديداً؛ وتبرز للعيان في قائمة أورور لالوك ثلاث حزمات كبيرة.
الأولى تخص مَوْلَنَة العالم (اختصار العالم والاقتصاد ببعديهما الماليّين)، وهي مولنة مقطوعة إلى حدّ كبير عن النشاط الفعليّ للمجتمعات، ولكن مع انعكاسات لا حصر لها.
أمّا الثانية فتتعلق بالآثار المخلة بالتوازن للإجماليّة الاقتصاديّة على الحوكمة، وبفقدان الدول لاستقلاليّتها بحيث تصبح عاجزة عن القيام بدورها الناظم التقليديّ، وبالشركات المتعدّدة الجنسيّات التي تخرج عن كلّ رقابة، وبأثر الإجماليّة الاقتصاديّة المخل بالتوازن في العلاقات بين الدول المتفاوتة التطوّر عندما تعجز الحوكمة عن إعادة التوازن بين القوى؛ كما تتعلق بانهيار هيكلة المجتمعات، ولاسيّما المجتمعات القديمة التصنيع التي بنت نفسها في أعقاب الحرب العالميّة الثانية اعتماداً على توازن بين رأس المال والعمل (ما يسمّيه الاقتصاديّون «التوافق الفورْدي fordiste»)؛ وتتعلق أخيراً بحركة التسليع (تحويل العالم إلى سلعة) المعممة لتطال المعرفة والفنّ والثقافة.
أمّا الحزمة الثالثة أخيراً، التي أصبحت تقليديّة، فهي التي تتعلق بتهاوي المحيط الحيويّ والتنوّع الحياتيّ من ماء وأرض وغابات وهواء تحت وقع نمط التنمية الذي نسير وفاقاً لأحكامه.
وبالإمكان مضاعفة مثل هذه القائمة بقدر ما نشاء؛ فعلى سبيل المثال، وضعنا مع فرانسواز فُغاس (Françoise Feugas) من جمعيّة ريتيمو (Ritimo) قائمة الكلمات التي تشكلّ مداخل ميزت الألف ورشة المنظمة ذاتيّاً للملتقى الاجتماعيّ العالميّ الذي التأم في كانون الثاني/يناير 2003 في مدينة مومباي؛ فهي لا تسعى أن تكون قائمة المشكلات، ولكن بالأحرى قائمة الالتزامات والعمليات المناضلة المواطنية الراهنة. وهي تضم، تقريباً، المحاور ذاتها، ولكن مع مسحة سياسيّة مباشرة أكثر تركيزاً مثل إبراز تأثيرات الحوكمة التي تسيطر عليها، حاليّاً، المصالح الكبرى لبلدان الشمال والشركات المتعدّدة الجنسيّات [التعديلات الهيكليّة، المفاوضات مع منظمة التجارة العالمية (م ت ع OMC)، إلخ]، ومع مسحة أخرى ذات توجّهات إمّا مطلبية، مثل المساواة بين النساء والرجال، وإمّا ساعية وراء بدائل مثل الاقتصاد التضامنيّ.
وفي تقديري، إنَّ هذه التسميات وهذه القوائم، باعتبارها نابعة من منهجيات وآفاق مختلفة، تبدو لي أنَّها تعطي صورة طيّبة عمّا يثير اهتمام الإنسانيّة اليوم، أقلّه في البلدان الغنيّة. ولكن هناك نقيصتان لهذه القوائم تلتقيان في المحصلة، على الرغم من تناقضهما الظاهري.
أمّا النقيصة الأولى فتتمثّل بالتسمية القطاعيّة للمشكلات. فـ موسوعة المشكلات العالميّة والمقدّرات البشريّة قد عملت على تحليل هذه النقيصة جيّداً عبر الملاحظات التي صاغتها حول القائمة، إذ ثمة لكلّ مؤسّسة من حيث نزعتها واندماجها الاجتماعيّ والسياسيّ، أو من حيث أفضليّاتها بعض المشكلات المفضلة، وهي تخصص لها طاقتها في سياق فرضية لم تعلن قط، ولكنَّها ضمنيّة، ومفادها أنَّ كلّ واحد من جهته إذا واجه، وبشكل منفرد، مشكلته فإنَّ الأمر يفضي إلى الأفضل، والعالم سيكون بالضرورة أحسن حالاً. وهنا، نحن أمام واحد من الانحرافات التي انزلقت إليها الحوكمة العالميّة على مرّ الأعوام. وفي غياب فكر إجماليّ حول التوازنات العالميّة، وفي غياب الإرادة لدى الدول لبناء نظام عالميّ يتخطى القوميّات بسبب حرم المس بالسيادة الوطنيّة، فإنَّ المجموعة الدوليّة عددت الأهداف والمؤسّسات المتخصصة، كلّ واحدة تتولى هدفاً معيّناً. وهذا ليس مع الأسف، أفضل سبيل لإيجاد لوائح تنظيميّة عالميّة، ناجعة وشرعيّة، يسهل قراءتها. من جهته، المجتمع المدنيّ، وبالتحديد المنظمات غير الحكوميّة (ONG م غ ح) لا يختلف في شيء عن هذا السياق من حيث الممارسات. فهذه المنظمات، باسم ضرورات البساطة، وهي الشرط المعلن للتعبئة النضالية، وكذلك باسم الضغوطات ـ شرط قلّما هو مباح بهـ، التي يخضع لها كثير من المنظمات غير الحكوميّة جراء اعتمادها على التمويلات الخارجيّة فإنَّ لكلّ منها، إن جاز القول، كوّتها الخاصّة في السّوق، وأولوياتها وكذلك ميدان خبرتها، وأخيراً مرتكزها السياسيّ والاجتماعيّ. وبكلّ أسف، فإنَّ ما هو لزومي لوصف مشكلات العالم ليس ناجعاً على الدوام لصوغ رؤيا وإستراتيجيّة للتغيير. ولقد احتفظت على الدوام في ذاكرتي بالمقولة الصادمة لفليب دي ووت (Philippe De Woot)، أستاذ الإدارة في جامعة لوڤان في بلجيكا: «عندما تقوم منشأة بجرد مشكلاتها الأساسيّة العشرين فهي لم تنجز شيئاً، أمّا عندما تعدّ قائمة بالمشكلات الأساسيّة الخمس، عندئذٍ تكون قد أنجزت عمليّاً إستراتيجيّتها.» وهذه مقولة أطبقها بكلّ تأكيد على المجتمع بأكمله.
وفي مقابل هذا التفتّت للأهداف والسياسات نجد تفسيرات ذات نزعة إجماليّة تحيل كلّ شيء إلى سبب أوّلي أو إذا شئنا إلى حلّ نهائي. وجيلي الذي بلغ سن الرشد في العام1968، عشق لمدّة هذه التغييرات الشاملة جدّاً، والمُرضية للغاية للفكر إلى درجة أنَّها تحوّلت إلى حشو. فكم من طبيب، بمفهوم موليير (Molière)، أدلى بدلوه بكلّ علم ومن دون نقاش ممكن، وباللجوء إلى رطانة خلطت بين الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة، لتفسير كلّ الذي يحصل بالقول إنَّه وليد الرأسماليّة!
لقد قدّم لنا الاقتصاديّ ميشال بو (Michel Beaud)، بحس من الدعابة، وهو ممّن يصعب اتهامه بالليبرالية المفرطة، شرحاً يقول فيه إنَّه، ولحدّ حادث تشرنوبيل، لم يكن يجد صعوبة للتأكيد على أنَّ فاجعة نوويّة مثل هذه لم يكن لها أن تحدث إلّا في بلد رأسماليّ حيث صحة السكّان يضحى بها على مذبح الربح القصير المدى. أمّا سقوط حائط برلين والتحليل الأوضح لجرائم الستالينيّة التي صمتت عنها لوقت طويل ذكريات التحالف التاريخيّ للاتّحاد السوڤياتيّ والقوى الغربيّة ضد النازية، وكذلك النتائج الكارثيّة للثورة الثقافية الصّينيّة فقد أسكتت المتملقين، لمدّة وجيزة عن التفسير النهائي والعشية الكبرى. ولكن لم يدم ذلك وقتاً طويلاً، فقد وجد سبب أوّل آخر هو الإجماليّة الاقتصاديّة.


