You are here

قراءة كتاب بحث في الإقتصاد العادل

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بحث في الإقتصاد العادل

بحث في الإقتصاد العادل

كتاب " بحث في الإقتصاد العادل " ، تأليف بيار كالام ، ترجمه إلى العربية محمد صالح فليس ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جا

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

لماذا هذا الاهتمام بالترتيبات المؤسّسيّة وبالفاعلين المحوريّين؟ لأنّي لا أرى الاقتصاد كمجموعة قوانين مجردة تنطبق على «أعوان اقتصاديّين» –منتجين، مستهلكين، مدّخرين...– قابلين للاستبدال ومن دون أسماء، ولكن كجملة من الإجراءات والقواعد المؤدّية أنماطاً من العلاقات في صُلب هذه الترتيبات. إذّاك يصبح فهم التطوّر التاريخيّ لهذه الترتيبات أمراً أساسيّاً.

في الأبحاث المتعلقة بالأنظمة التقنيّة يجري تمييز كلّ حقبة بالوقت والمسافة والطّاقة والإعلام. الوقت معناه وحدات الوقت الدنيا والقصوى التي نتحكّم فيها؛ المسافة معناها مستوى التفصيل الذي بالإمكان وُلوجه لفهم المادّة والتأثير فيها؛ الطّاقة معناها مصادر الطّاقة؛ الإعلام معناه القدرات على تداول المعلومة ومعالجتها. لقد ولجنا حقبة وقت الذبذبات الذرية؛ والمسافات تذهب من البَيْذرّي مع تكنولوجيات الأجزاء البليونية (nanotechnologie) إلى البَيفَلَكي لغزو الفضاء؛ حيث الطّاقة طاقة الانصهار النوويّ؛ وحيث الثورة الإعلامية تسمح بتداول كميّات هائلة من المعلومات ومعالجتها في وقت حقيقيّ.

لا أعتقد أنَّ كلّ حالة للنظام التقنيّ تتوافق مع أنموذج واحد فقط للترتيب المؤسّسيّ دون سواه. وعلى سبيل المثال، فإنَّ روبير بوايي (Robert Boyer) في نصّه المعنون: السياسة في عصر العولمة والمال([14]) يقوم داخل البلدان المصنّعة من قبل، وبالنّسبة إلى طور التنمية الصناعيّة الذي أطلق عليه طور «التسوية الفوردية» وحيث كان السؤال المركزيّ يتعلّق باقتسام ثمار التنمية بين رأس المال والعمل، بالتمييز بين أربعة ترتيبات مؤسّسيّة كبرى، فيسمّيها الأنماط التنظيميّة الكبرى الأربعة.

الأوّل، التنظيم التجاريّ، هو ميزة الولايات المتّحدة: المنطق التجاريّ هو المبدأ المنظم لكلّ الأشكال المؤسّسيّة تقريباً.

الثاني، التنظيم الحرفيّ، هو ميزة الرأسماليّة اليابانيّة: وتسيطر عليه منشآت كبرى تنظم في صلبه حركيّة رأس المال والمهارات والأجراء.

الثالث، التنظيم العموميّ، وتتميّز به فرنسا: الدورة الاقتصاديّة تشكلها إلى حدّ بعيد التدخلات العموميّة.

الرابع، أخيراً، التنظيم الديمقراطيّ-الاجتماعيّ، المميز للبلدان الإسكنديناڤية وبدرجة أقلّ ألمانيا؛ ويرتكز النظام على التفاوض، بين الأفرقاء الاجتماعيّين، أرباب العمل والنقابات، لتحديد قواعد تنظم إلى حدّ كبير المجتمع والاقتصاد.

هذه الفروق أساسيّة لتلافي السقوط في ضرب من القدرية اللازمانيّة واللاثقافية للأنظمة التقنيّة والاقتصاديّة والبيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. على أنَّه واضح من خلال حالات التنظيم الأربع في القرن العشرين كيف تبرز المنشأة الكبرى باعتبارها فاعلاً محوريّاً. فحولها، سواء أكانت عموميّة أم خاصّة، تتهيكل الترتيبات المؤسّسيّة. وهي التي تنظم، في إطار النظام التقنيّ لعصرها، التحشيد المتزامن لعناصر الإنتاج المادّي بقاعدتها الميكانيكيّة والكيميائيّة، ولعدد هائل من الأيدي العاملة الضروريّة لإنتاج وفورات الحجم[15]*، وهي تتطلب، في المقابل، توحيداً للأسواق لتضمن لنفسها منافذ كافية. ومن ثمة دور الدولة المنظم، والتسويات الاجتماعيّة والسياسيّة الضروريّة لتلافي أن تتحوّل القوة المتولدة عن مثل هذا التركز للأيدي العاملة إلى ثورة اجتماعيّة.

خلال الخمسين عاماً الأخيرة، استحقت الشركة العابرة للقوميّات (شعقTransnational Corporation-TNC) بأتمّ معنى الكلمة، لقب المحوريّ بمعنى أنَّها، وإن كانت تمثّل نسبة ضئيلة من النشاط الاقتصاديّ الإجماليّ، فإنَّ قدرتها على تنظيم تدخل الفاعلين الآخرين حولها كبيرة، وهو ما يفسّر أنَّها تجتذب، بالإيجابي وبالسلبي، كلّ الأنظار.

لدعم هذه القناعة سأتّبع، إلى حدّ كبير، المعطيات التي جمعها مارتن وولف، الداعية الكبير للإجماليّة الاقتصاديّة، ورئيس قسم الاقتصاد بالـ فايننشل تايمز، وصاحب كتاب كفاحيّ ضد المناضلين المناهضين للإجماليّة الاقتصاديّة يحمل عنوان: لماذا الإجماليّة الاقتصاديّة ناجعة([16])؟

ليست جديدة المنشآت المعدّة للعمل خارج الإقليم الوطنيّ (أو القوميّ)؛ فشركات الهند الشرقيّة كانت تملك في القرن الثامن عشر حتّى جيوشاً خاصّة، وتسيطر على أراضٍ كاملة، وتتمتّع باحتكارات وامتيازات لا تقاس بمقاييس الشركات المتعدّدة الجنسيّات الحاليّة.

وباستثناء، موقتاً من دون شك، مايكروسوفت (Microsoft)لم تحز أيّ منشأة عابرة للقوميّات موقعاً احتكارياً يمكن مقارنته بما كانت تتمتّع به، في عقود سابقة، منشآت كبرى داخل فضاءات اقتصاديّة قوميّة. وحتّى إذا تحققت تفاهمات بين عدد صغير من المنشآت العالميّة المسيطرة على السوق، فإنَّها تبقى في تنافس في ما بينها.

لنأخذ الخمس عشرة منشأة الحائزة على أكبر قيمة مضافة سنة 2000 تبعاً لحسابات مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (مأمتتUNCTAD-Cnuced): إكسون (Exxon) موبيل (Mobil)، جنرال موتورز (General Motors)، فورد (Ford)، دايملر كرايسلر (Daimler Chrysler)، جنرال إلكتريك (General Electric)، تويوتا (Toyota)، رويال داتش شل (Royal Dutch Shell)، سيمنس (Siemens)، وول مارت (Wal Mart)، فولكسڤاغن (Volkswagen)، هيتاشي (Hitachi)، توتال فينا إلف (Total Fina Elf) وفيريزون كوميونيكايشن (Verizon Communication) (الناشطة في مجال الهاتف النقال). في البترول، وصناعة السيارات، والتوزيع الكبير والصناعات الكهربائية أو الهاتف لا تملك أيّ من تلك المنشآت سيطرة مطلقة على السّوق.

لكن هل لها مواقع مهيمنة بما يكفي لضمان سيادة مستدامة، أو تحقيق نمو أسرع من الآخرين، أو ضمان أرباح فائقة؟ هنا أيضاً تنحو الأرقام إلى إثبات الجواب بالنفي. أذكر مكانة (أي بي إم IBM) قبل أربعين عاماً. لقد كانت في نظرنا، المثال الحقيقيّ للاحتكار العالميّ مع «حاجز دخول» في تجارة المعلوماتيّة الكبيرة، من شأنه أن يحبط، مسبقاً، كلّ منافس محتمل. ونعرف ماذا حدث لها، إذ لم تر آي بي إم في أوانه دور أنظمة التشغيل والريع الذي تحقّق، ولم تقتنع بالصعود الجبّار للحاسوب الصغير فسقطت من عليائها.

تعدّ مجلة ثروة (Fortune) القائمة السنوية لأكبر عشر، وعشرين وخمسين منشأة. في ست سنوات، ثلاث من العشر الأكبر، وتسع وعشرون من الخمسين منشأة الأكبر خسرت، إذا جاز التعبير، نجوماً في دليل ميشلان[17]* (م. وولف، صفحة 226).

هل تمكّنت هذه النجوم العملاقة، أقلّه، من تدعيم مكانتها في العالم منذ الثمانينيّات، وبالخصوص خلال التسعينيّات الشاهدة على سيطرة كاملة للإيدولوجيا الليبرالية، كما وعرفت حركة عامّة لانفتاح الأسواق؟ كلا، حقيقةً.

Pages