You are here

قراءة كتاب بحث في الإقتصاد العادل

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بحث في الإقتصاد العادل

بحث في الإقتصاد العادل

كتاب " بحث في الإقتصاد العادل " ، تأليف بيار كالام ، ترجمه إلى العربية محمد صالح فليس ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جا

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

المثال الثالث: البضائع والخدمات. لقد تعودنا التفريق بين الخدمات العموميّة التي ترجع في غالب الأحيان إلى السلطات العامّة، والخدمات للأشخاص أو الموادّ للاستعمال الشخصيّ التي تعود بالأحرى لدور القطاع الخاصّ. ولكن أليس من اللازم النظر في الأشياء اليوم من منظور مغاير تماماً يجري التمييز بموجبه بين أربع فئات من الخدمات: الموادّ والخدمات التي تتلاشى إذا اقتسمت؛ وتلك التي يمكن تقسيمها عند توزّعها ولكنَّها ليست ثمرة إبداع إنسانيّ إلّا قليلاً؛ وتلك التي يمكن تقسيمها عند توزّعها وهي في الجوهر ثمرة الإبداع الإنسانيّ؛ وأخيراً تلك التي تتكاثر عند توزّعها؟ كلّ واحد من هذه الأصناف تحكمها، في تقديري، رؤى مختلفة للإنتاج والتوزيع.

والمثال الأخير، رأس المال. إذا كنا، للتقليص إلى أقصى حدّ من تدفّق الموادّ، متجهين، وهذا هو تفكيري، نحو ما يسمّيه بعضهم «مجتمع الاستعمال» (functional economy) أي نحو بناء مؤسّسيّ مختلف للغاية عن الموجود حاليّاً، فهل لايزال التمييز بين رأس المال العموميّ المرتبط بالبنية التحتية ورأس المال الخاصّ المرتبط بالأنشطة الإنتاجيّة يتفق مع الواقع الراهن؟

لا شيء محسوماً، ويتوجّب الانتباه لكلّ ما يتحرّك، يطفو، يُخترع، هذا هو الشعار.

4. لكلّ حقبة فاعلوها المحوريّون

في كلّ حقبة من تاريخ المجتمع يمكن توصيف هذا الأخير على أنَّه منظومة طبيعيّة-اجتماعيّة-تقنيّة، وتضافر متناسق أو متنافر إلى حدّ ما لثلاثة أنظمة فرعية.

الأوّل، النظام الحيويّ-البيئيّ، يصف العلاقات بين المجتمع وبقية المحيط الحيويّ، وكذلك حجم الاقتطاعات من المحيط الحيويّ وطبيعتها، كما وحجم الإعادات وطبيعتها، في كلمة طريقة إدماج الأنشطة الإنسانيّة في الأنظمة البيئيّة. وكما يذكّرنا به التاريخ فإنَّ بقاء أيّ حضارة على المدى البعيد يتوقف على نوعيّة هذا الإدماج.

الثاني، النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ، يصف تنظيم المجتمع، ثقافته، قِيَمَهُ، مفهومه للعالم، مؤسساته، تنظيمه السياسيّ والاجتماعيّ، وتكوين فاعلين جمعيّين في صلبه، وما أطلقت عليه اسم «الترتيبات المؤسّسيّة»، وأنظمة العيش والإنتاج والاستهلاك والتبادل. في هذا النظام الاقتصاديّ الاجتماعيّ نسمّي «حوكمة» مجموع الترتيبات التي وضعها المجتمع للحفاظ على السلم والتآلف الاجتماعيّين لتأطير الأهواء وتنظيم الحياة الجمعيّة وتحقيق التنمية.

النظام الفرعي الثالث، وهو النظام التقنيّ الذي يصف مجموع التقنيّات التي توضع حيّز التطبيق في المجتمع؛ وقد اخترت أن أعطي هذا النظام تلك الصفة وأن أعزله. إعطاؤه صفة النظام، محتذياً حذو برتران جيلّ (Bertrand Gille) ([13]) وتييري غودان (Thierry Gaudin) وآخرين أيضاً، للتذكير بأنَّ التقنيّات ليست مستقلة الواحدة عن الأخرى، وإنَّما ارتباطها يكوّن بالتحديد نظاماً. اخترت أن أعزله بتمييزه عن النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ لتأكيد أهميته أوّلاً، وبعد ذلك استقلاليّته النسبية، إذ إنَّ له بحسب اعتقادي ديناميكيَّتَهُ الخاصّة.

العلاقات المتداخلة بين هذه الأنظمة الفرعية الثلاثة هي متعدّدة الأشكال خصوصاً وإنَّ الاقتصاد يؤثر في النظام التقني ويتأثر به، والنظام التقنيّ يؤثر في النظام الطبيعيّ البيئيّ ويتأثر به.

أمّا الطرح الذي أستخلصه من استعراض للتاريخ، والذي أستحضره هنا لأنَّه محدِّد لما سيتبع، فهو أنَّه عند كلّ حقبة، وتبعاً لتطوّر نظامه التقنيّ فإنَّ كلّ مجتمع يتميّز بترتيبات مؤسّسيّة خاصّة يبرز في صلبها ما أسمّيه «الفاعل المحوريّ»، وهذا الفاعل ليس بالضرورة الأقوى أو الأبرز، ولكن حوله يتماسك النظام.

Pages