قراءة كتاب المسألة الكردية في العراق

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
المسألة الكردية في العراق

المسألة الكردية في العراق

كتاب " المسألة الكردية في العراق " ، تأليف صلاح سعد الله ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2006 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 7

أدى البناء القاصر للدول إلى عجز فى حماية الحرية السياسية والمساواة القومية، أما عن « حقوق الإنسان » فحدث ولا حرج . فأمامنا مثال بوكاسا إمبراطور أفريقيا الوسطى - الذى كان مولعًا بتعليق المداليات على صدره ومتهمًا بأكل لحم مواطنيه . وماذا فعلت منظمة الوحدة الأفريقية ؟ إنها أخفت رأسها ، كالنعامة ، فى الرمل وتمنت على الدول الكولونيالية السابقة إنقاذ أفريقيا الوسطى من هذا الوحش . وأمامنا مثال ليبريا ، دولة العبيد فى غرب أفريقيا ، فبسبب البناء الهجين للأمة / الدولة وضعف تركيب ومفهوم الدولة ذاتها ، فقد أصبحت هذه الأمة / الدولة مزرعة ومرتعًا للمغامرين حتى إن العريف « دو » استولى على الحكم فى البلاد ليسرح ويمرح فيها ويبطش بأهلها بوصفه منقذها ! ومرة أخرى لم تستطع منظمة الوحدة الأفريقية (تحولت الآن إلى الاتحاد الأفريقى) أن تحرك ساكنًا . وفى سلم الأقدمية فى الرتب برز أباطرة جدد كالملازم الطيار « جيرى رولنكز » والعقيد والجنرال والمارشال عيدى أمين! حتى لقد بدأ المواطنون يترحمون احيانًا على النظام الكولونيالى السابق ويستغيثون به لإنقاذهم من منقذيهم . بل إن جيبوتى أصرت على الدولة الكولونيالية السابقة وهى فرنسا على إبقاء حامية عسكرية فى البلاد ربما للمحافظة على السلام القبلى بين عفار وعيسى . يمكن إيراد أمثلة أخرى من أفريقيا حيث رسمت الدول الكولونيالية حدودًا لمناطق نفوذها دون الاكتراث كثيرًا بالتركيب العرقى لهذه المناطق ، لذلك ما إن انحسر وزال الحكم الكولونيالى المباشر عن المناطق حتى انبثقت دول و« أمم متحدة » من خليط متنوع من القبائل والأعراق والأقوام والشعوب والملل، وبإقامة هذه الأمم / الدول بهذه التشكيلة برزت المشاكل العرقية / القومية أو حتى الدينية ، فاستقلال الهند مثلاً اقترن بتقسيم البلاد إلى دولتين هما الاتحاد الهندى وباكستان التى انقسمت بدورها إلى دولتين هما باكستان وبنجلاديش بعد اقتتال ذهب ضحيته آلاف الأرواح ، ولازالت مشكلة « كشمير » تهدد بالانفجار فى شبه القارة الهندية ، وحدث الشىء نفسه فى ماليزيا حيث قسمت لأسباب عرقية إلى ماليزيا وسنغافورة ، ولازال الصراع العرقى على أشده بين السنهاليين والتامليين فى سيريلانكا ، وظهرت المؤشرات الأولى للصراع العرقى العنيف فى أفغانستان واتحاد جنوب أفريقيا الذى عالجه هنا « نيلسون مانديلا » بحكمته . وتعانى بورما من ثورات عرقية منذ إنشائها كثورة الكارين . وفى الصين توجد المسألة القومية التبتية ، وفى مالى والنيجر توجد ثورة الطوارق ، أما إندونيسيا فقد قامت كدولة من تشكيلة واسعة من الأعراق والأقوام والشعوب المتناثرة فى مئات من الجزر التى لا تشترك فى الثقافة أو التاريخ ولا يربط بينها إلا الخضوع يومًا للسيطرة الكولونيالية الهولندية التى لم توحد هذه الأعراق والأقوام والشعوب والقبائل لتجعل منها أمة متحدة بل حكمتها واستغلتها فترة ثم سلمت أمرها فى النهاية إلى سلطة مركزية فى جاكارتا لتدبير شؤونها . وقد نقلت الأنباء حدوث ثورات عرقية فى بعض المناطق ( غينيا الغربية ومنديناو مثلاً إضافة إلى تيمور الشرقية ) ضد الاضطهاد العرقى المسلط عليها من قبل هذه السلطة المركزية « الوطنية » التى لا تراعى بدقة مصالح وحقوق الأعراق ولا تحترم هوياتها الثقافية ولا تعترف بحقها فى تقرير مصيرها بنفسها . فالمشكلة ، مرة أخرى ، كانت كامنة فى الكيان السياسى المستقل الذى تسلم السلطة من القوة الكولونيالية دون وضع أساس قويم للعلاقات المتكافئة بين الأعراق والأقوام فى الكيان الجديد . هنا نرى المشكلة العرقية - القومية تفعل فعلها وتؤتى ثمارها المرة بسبب الخلل فى الكيان الجديد لـ « الأمة المتحدة » وهو الخلل العرقى الذى يجد تعبيره فى المشاكل المتكررة بين السلطة الحاكمة التى تنتمى غالبًا إلى عرق واحد ، فى هذا الكيان، وبين الأعراق والأقوام الغفيرة التى تتحكم فيها وتضطهدها أحيانًا لدرجة تبدو السلطة الكولونيالية البائدة بالمقارنة سلطة متنورة .
ولماذا نذهب بعيدًا إلى الأرخبيل الإندونيسى وأمام ناظرينا مثال تركيا وإيران ؟ فتركيا دولة متعددة القوميات تتكون من الترك والكرد والعرب وبعض الأقوام الصغيرة كاللاز ، لكن الدولة التركية لا تعترف بهذا الواقع القومى التعددى ولا تحترم حقوق القوميات غير التركية فى إطار وحدة البلاد ، بل تنطلق من نظرة عنصرية فى إنكار هذا الواقع . وهكذا تبرز المشكلة . وإيران أيضًا دولة متعددة القوميات تتكون من الفرس والأزر/ الترك والكرد والعرب والبلوج ، ولا تتمتع قومية باستثناء الفرس، بأى حقوق سياسية أو قومية ، ربما باستثناء حق ثقافى محدود بنشر كتاب أو صحيفة بلغتها أو الإذاعة والتلفزة لأغراض الدعاية ، مما يؤدى إلى خلق المشكلة القومية . وهكذا نرى أن تركيا وإيران لا تشكلان « أمتين متحدتين » لأن القوميات العديدة فيهما ، باستثناء الترك والفرس لا تتمتع بحقوقها القومية ، وتعمل السلطتان المركزيتان فى أنقرة وطهران لطمس هواياتها الثقافية المستقلة ، وهكذا تخوض هذه القوميات المظلومة نضالاً مشروعًا فى سبيل حقوقها وقد يجر هذا النضال إلى الصراع الدامى فى غياب الحوار والحل السلمى الديمقراطى مما ينسف أسطورة «الأمة المتحدة» ويضع المشكلة القومية أمام الأنظار . إنها مشكلة عالمية فعلاً لأن إقامة العديد من الدول جرت بمنأى عن العدالة القومية ، وتحكمت فيها التوازنات المرحلية والمصالح الدولية ، وحددت أطرها وحدودها فى غياب الإنصاف والمساواة القومية .
أما فى بعض الأقطار النامية فقد ينتفى حتى الشرط الذى يتم بموجبه قبول القطر فى عضوية الأمم المتحدة ألا وهو شرط الأمة / الدولة التى تسرى سلطتها الفعلية ضمن حدودها السياسية حيث قد تنهار تلك السلطة كليًا ، كما حدث مؤخرًا فى الصومال ، ويتحول القطر حينئذ إلى إقطاعيات قبلية متصارعة يحكمها لوردات الحرب، وفى أقطار أخرى ينتفى حتى مفهوم الدولة حين يستولى مغامر على السلطة ويتحول إلى عراب فى القمة تحيط به زمرة من أزلام العائلة والمرتزقة لخدمة شخصه وتنفيذ رغباته وفلسفة جنونه وإبادة معارضيه ، بدءًا بالأعراق والأقوام التى لا تحمل رسالة شعب الله المختار التى تنحصر فى عرق العراب كما رأينا فى هاييتى ، وغالبًا ما تنتفض تلك الأعراق والأقوام دفاعًا عن النفس لأن منظمة الأمم المتحدة لا تحرك ساكنًا لوضع حد لحكم الغاب بذريعة عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدولة العضو فى ضوء ميثاقها العتيد ، برغم أن هذه الدولة ذاتها لا تكترث بالتزاماتها التعاقدية تجاه المنظمة الدولية ومبادئها وميثاقها وتتصرف بعكسها بسحق التطلعات الديمقراطية المشروعة للأعراق والأقوام التى تزعم أنها تمثلها فى المنظمة الدولية بينما تقوم فى الواقع بالتنكيل بها بكل ما أوتيت من قوة بهدف الاستئثار بالسلطة ونهب الثروة على الضد من أهداف الأمم المتحدة . فهل يستغرب المرء إذا انفجرت المشكلة القومية هنا وهناك ؟ وهل يستغرب المرء الدعوة الملحة لقيام منظمة الأمم المتحدة بمهمة حل المسألة القومية حتى لو تطلب الأمر إعادة النظر فى تركيبة المنظمة الدولية ؟

Pages