كتاب " الأبواب المغلقة " ، تأليف منى خويص ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب الأبواب المغلقة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الأبواب المغلقة
مقدمة
إن حفراً باتجاه الماضي سيصطدم حتماً بتلك المرحلة التي مرّ بها العقل العربي في نهضته وكان فيها منارة العالم الغربي وموجّهَه. فالغرب الحديث حسب تييري هنتش (1) استمد مرجعيته الثقافية الرئيسة من بلاد الهلال الخصيب. وثمة وراء ذلك أسباب وجيهة حسب رأيه ألا وهي أن الكلدانيين في بلاد الرافدين الذين ترجع حضارتهم إلى أربعة آلاف سنة، حسبوا مسار النجوم والدورات القمرية والشمسية، وقسّموا السنة إلى 360 يوماً واخترعوا طريقة في الترقيم تتبع مبدأ "العد الوضعي". لقد حقّق المصريون مآثر في العمارة، بعضها ما زال سره خافياً. ودشنت بابل بشرعة حمورابي القوانين والتشريع "قبل روما والصين"، كما لاحظ رينيه غروسيه أن "الأسبقية المعترف بها هي لحضارات الشرق المتوسط والشرق الأدنى".
إلّا أن هذا الرافد الحضاري "أي الشرق" لم يعد لديه ما يقوله وحسب، بل أيضاً لم يعد عنده ما يقدمه منذ أمدٍ بعيد نظراً إلى تأخره، ولأن الأسوأ من ذلك كله أن جزءاً كاملاً من ماضيه يرقد خارج أو على هامش التاريخ العلمي.
ويصر بعض متخصصي تاريخ الشرق الأدنى على الاعتبار أن الشرق قد انغلق على نفسه في نهاية القرن الخامس عشر، فكان يبدو كل شيء فيه متجمداً مرة واحدة وإلى الأبد من الاقتصاد إلى البنى الاجتماعية والأنظمة السياسية.
إلّا أن هذا الانغلاق على النفس والانعزال عن الآخر وحركة الجمود التي تحدث عنها هنتش لم تعد قادرة على الصمود في وجه التغيرات التي طرأت على العالم، وهذه القلاع الحصينة التي بناها الشرق على حدود مجتمعاته كسد منيع بوجه أي رياح تغييرية، قد تهب على هذه المجتمعات وتعبث بركودها الداخلي بدأت اليوم، إن لم يكن بالانهيار فبالاختراق والتصدع من قبل العالمية أو ما يعرف اليوم بالعولمة، التي تمكنت من التسلل والتغلغل إلى كل بقعة من بقاع الأرض. فنحن ننتقل دون أن ندرك من عالم سيطرت عليه العزلة الثقافية، إلى عالم آخر يسوده التبادل الثقافي؛ ومن جماعات تقليدية إلى عالم منفتح على العلاقات المتبادلة والتواصل.
يشهد عصرنا نهاية الحضارات المعزولة كما يشهد الدخول إلى جماعة بشرية موحدة.. إننا نشهد احتكاكات كثيفة ومتعددة الأبعاد (اقتصادية، سياسية، دبلوماسية، ثقافية، أيديولوجية ودينية) بين شعوب البشرية بأسرها.
لا مجال للفصل بين الداخل والخارج في هذا العالم المتّجه نحو التوحّد. ففي هذا المجتمع الكوكبي نرى أنَّ (2) ما يعني العرب الآن بات يعني سائر الناس، وما يهتم به الأمريكيون والغربيون يقع في صلب اهتمام العرب. هذا يعني أننا لم نعد قادرين على تحييد وعزل أنفسنا عمّا يجري من حولنا. لقد بتنا داخل هذه اللعبة ولكن ماذا عن مؤهلاتنا كلاعبين وماذا عن دورنا؛ ما هو المطلوب منا القيام به بعدما تصدعت جدران الحصانة التي كنا نحمي بها مجتمعاتنا من الغزوات الخارجية بمختلف أشكالها؟
علينا بداية الخروج من حالة العجز والهامشية والتبعية، كما علينا تفكيك العوائق الفكرية وتسليط الضوء على الآفات الخلقية التي تفتك بمجتمعاتنا وتجرها إلى الوراء وذلك من أجل أن ننخرط في صناعة الحياة وصياغة المصائر بعقلية الحوار والمداولة أو الشراكة والتضامن. هذا هو التحدي بالنسبة إلينا، فيما يتغير نظام العالم ومجرى الأشياء.
إننا مدعوون إلى تغيير طريقة التعامل مع الأشياء، وذلك بالكفّ عن لغة الاتهام والاستعداء وكسر منطق الانعزال والانكفاء والتعاطي مع الأفكار والهوايات بلغة المبادرة والاجتراح أو بمنطق الخلق والتحول، بحيث نثبت جدارتنا بالانتماء إلى زمننا والاندراج في حاضرنا.
تكثر الدعوات اليوم إلى الانخراط في العولمة من خلال برامج وخطط محددة ومنهجيات تمكننا من أن تكون مشاركتنا في العولمة من خلال "دور" حيث إن عملية الانخراط أو المشاركة بالقوة تشكل خطراً يتهدد مجتمعاتنا؛ وهذا الخطر يتمثل (3) "بالانحدار نحو الانقراض، ولا يعني الانقراض هنا، بالضرورة، انقراضاً مادياً أو جسدياً بل قد يكون ذوباناً في المجتمعات الجديدة والمسيطرة والمتفوفة".
ثمة اتصالات ثقافية مساواتية وحرة (تأثيرات واستعارات) حصلت عبر التاريخ ما قبل الحديث (4) "إلّا أن هذه الاتصالات ظلّت متقطعة، عابرة، منشغلة، قابلة للانعكاس ومتعددة المركز. تتميز العالمية الناشئة باختفاء آخر المناطق المحايدة أو العذراء، أرض لا أحد التاريخية أو الثقافية وبسيرورة صارت وحيدة عالمية وغير قابلة للانعكاس، وذلك بفضل وطأة العلم الدافعة وبفعل قوة التقنية والصناعة... إن التحول العملاق الآخذ في الانطلاق قد جعل العادات القديمة عرضة للشك خاصة تلك المتأصلة في الإنسان منذ القديم والحاضرة في كل المجتمعات: الإثنية المركزية، احتقار الآخر، الجهل واللامبالاة الكاملان تجاه عاداتهم وقناعاتهم وعالم حياتهم. إن الانفتاح بالقوة على العالم وإزالة الحواجز بين أجزاء الكرة الأرضية يعني اكتشاف الآخر حكماً وتعلّم التسامح وإيجاد "كوزموبوليتية" فعلية حيث الناس أخوة في عالم يصبحون فيه بكل الأحوال شركاء في المواطنية وأقرباء".
إننا نشهد اليوم منعطفاً تاريخياً كبيراً يتمثل بالعولمة، فهي أخذت (5) "تقلّب جميع التراثات الثقافية والدينية والفلسفية والسياسية والقانونية، التي عرفتها البشرية حتى الآن مما يدفعنا لأن نتجاوز فلسفياً وأخلاقياً وقانونياً ومؤسساتياً كل الأنظمة العقائدية واللاهوتية الموروثة عن الماضي. حتى الحداثة على الرغم من أهميتها لن تنجو من عملية القلب والتغيير هذه. إنها مدعوة أيضاً لمراجعة نفسها لكي تتأقلم مع عصر العولمة هذا، ولهذا السبب أخذ باحثون ومفكرون يتحدثون عن ما بعد الحداثة - منذ العام 1980 تقريباً... لقد أخذت ظاهرة العولمة تجبر الأوروبيين أنفسهم على إدراك محدودية عقل التنوير وبعض الآثار السلبية الناتجة عنه".
إنَّ العولمة لم تكن الدافع لنقد الحداثة ولإدراك محدودية عقل التنوير، بل إن حركة العقل الحر والعقلانية التي عرفها الغرب منذ عصر الأنوار هي التي قادت الأمور بهذا الاتجاه.. فنقد الحداثة بدأ فعلياً مع نيتشه الذي كان أول من دق إسفيناً في نعش الحداثة ودلَّل على محدودية عقل التنوير وأسّس لمفهوم ما بعد الحداثة. كما أن بعض المفكرين يعتبرون أنه وبعد الحربين العالميتين بدأ التطلع إلى الحداثة على أنها فقدت قابلية الثورة في داخلها لمصلحة أيديولوجية رجعية وتقليدية، وأن المنطق الذي يقبع خلف عقلانية التنوير هو منطق هيمنة واضطهاد وتوق إلى السيطرة على البشر. ولم يكن ممكناً أمام هذا المنطق إلّا أن يوصل في النهاية إلى "كابوس قهر الذات" حسب دوركهايمر وأدورنو.

