كتاب " يوم خذلتني الفراشات " ، تأليف زياد أحمد المحافظة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب يوم خذلتني الفراشات
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

يوم خذلتني الفراشات
1
منذُ أن افترقنا، ذهبَ كلٌّ منا في اتجاه، أيّ فلسفة في هذا! من الطبيعي بعد أن نفترق أن يذهبَ كل منا في اتجاه.
ليس في الأمر التباسٌ إذن، فهنالك دائماً متسعٌ لما هو جديد. لستُ أدري إن كانت بعض الحكايا قد أتتكَ ذاتَ يوم من مصدر لا تتوقعه؛ من شخص لم يعد يملك من الحواس الخمس سوى بعضها، من واحد ابتلعَ كل شيء، فلم يُعط للحياة خياراً آخر سوى أن تلفظه، من لاعب قرر أن يكشفَ فجأةً نصفَ أوراقه، بعد أن أدرك متأخراً أنه لم يعد يملك سوى ذاكرة متواضعة، لا تعرفُ كيف تُرتّبُ الأشياءَ وتؤتمن عليها.. ذاكرةٌ مُتغضّنة هي كل ما تعنيه الآن.
أنا أعلمُ أنكَ قد تقبلُ لشخص أن يسمعَ نيابةً عنك، أو يروي لك حكاياه، لكن البصرَ هو ما لا تستطيع إعارته لأحد. لذا فاسمح لي أن أكونَ اليومَ راويك، أن أقولَ لك ولو جزءاً يسيراً مما لدي.
قد توافقُ الآنَ لسبب لا تعلمه، وربما تتراجعُ حين تعرفُ من أكون. وقتئذ قد لا يسرُّك ذلك، إذ تكونُ الحكاية قد شارفت المغيب، وأكونُ قد تسللتُ إليك بكلماتي وتركت عندك بعضاً مما أريد.
سأعبر قليلاً إلى الوراء، أمشي على نصل الذاكرة لأصل إلى البدايات، وأصعبُ ما في الأمر كله، بدايته. سأعود ساحباً معي ما علق بالذاكرة من أشواك، أُقلّب ماضياً نيئاً لم تنضج قسوته أو تلين.. الحاضرُ مراوغٌ حقيقي، يبتلعُ فقط زلّات الماضي ونزواته.
في طفولتي التي لا أذكرُ منها الشيء الكثير، كنتُ أُحبُّ فصلَ الربيع كثيراً، أنتظرهُ لأن ثمة أشياء فيه كانت تغريني. لم تكن الأزهار الملوّنة وهيجانُ الخضرة ودفء الطقس، وغير ذلك من الصفات المملة، التي ينعتون بها الربيع عادةً في كل مرة يحل فيها ويرحل مسرعاً، ما تجعلهُ الألذ بالنسبة إلي، بل لأنهُ لم يكن يخلفُ معي موعداً، يأتي لي بالمتعة ذاتها؛ يخلقُ أمامي مسرحاً انتظرهُ شهوراً طويلة، مسرحاً أستطيعُ من خلاله ممارسة هوايتي الوحيدة، متعتي التي لازمتني على الدوام.
وحده الربيع لم يكن يفاجئني بمزيد من الخسارات. يأخذ بيدي دوماً إلى عالم مغسول بالدهشة.
كان كل واحد من رفاقي في ذاك الزمان يمتّعُ نفسهُ بأشياءَ مختلفة؛ يأتي من اللاشيء بلعبة أو قصّة، يصنعُ لنفسه كُرةً من بقايا قماش، أو ملابسَ رثّة كانت تستر ذات يوم أطفالاً وتخفي تحتها أسراراً.
لطالما استوقفتني تلك الكُرات القماشية، بألوانها وأحجامها وإصرارها على الحياة. كنتُ أنظرُ إليها باشمئزاز، أركلها بقرف وألعن معها هذا الواقع البائس، أُفكرُ في أن الركلَ الذي تمارسهُ الحياة على بعض الناس يأبى أن يفارقهم، يلتصق بهم، بل يتمادى ليطارد حتى ملابسَ رثّة، كانت يوماً ما، كل ما يملكون.
نما الحزنُ مبكراً فوق طفولتي، طحلبَ ماء البراءة وكدّر صفوها، قبل أن أرشف منه ما يروي من قطرات.
هُم كانوا يستمتعون بأشياء كثيرة، أما أنا فكنتُ أستمتعُ بشيء مختلف، شيء واحد فقط يجذبني ويسحرني؛ هو مراقبةُ الفراشات وتتبعها. ملاحقتها واصطيادها.
ذات ربيع، استطعتُ بعد أن أمضيت ساعات طويلة أترصدُ عدة فراشات ملوّنة، لم أرَ في حياتي أكبر وأجمل منها، أن أقبضَ على ثلاث. كدتُ أطيرُ يومئذ من فرط سعادتي وأنا أضعها واحدةً تلو الأخرى، في قفص خشبي صغير كنت قد صنعته بنفسي، أحسستُ حينئذ بأن تلك أقصى متعة يمكن لطفل مثلي أن يبلغها.
حملتُ فراشاتي وعدتُ بها مزهواً. كان ثمة فرح ينضج في داخلي على مهل، صحيحٌ أنني امتلكت بعد ذلك بعشرات السنين أشياءَ كثيرة لا حصر لها، لم يبق شيء يمكن لي أن أتمناه أو أفكر فيه إلا صار عندي، لكن ذاك القفص بما ضمَّ من فراشات، لا يزال حتى اليوم، أثمنَ ذكرياتي.. وأقساها.
حين وصلتُ إلى البيت، كان أبي يجلسُ كعادته في الساحة الخارجية، لم يكن النهارُ قد انتصف، ولم تكن شمسهُ قد كشفت كل نيّاتها بعد. رأيتهُ كعادته؛ يجلسُ وحيداً قرب ياسمينة تتسلق الحائط بحذر، يضعُ رجلاً على رجل، ويرشف شاياً غامق اللون، بيده اليمنى سيجارتهُ التي لم تعد تفارقه، وباليسرى كتابٌ مفتوحٌ، لم يسبق لي أن رأيته معه.
كان يلبسُ بذلة رماديّة اللون، وقد فكَّ عنها ربطةَ العنق وتركها تتدلى على صدره كقلادة. في الحقيقة كانت تلك واحدة من صفاته التي ربما انعكست عليّ دون أن أشعر، لم يكن يرتدي ملابسَ النوم أو الملابسَ المريحة إلا قبل التوجه للسرير بدقائق، كان يحرصُ منذ اللحظة التي يستيقظُ فيها، على أن يكون في كامل أناقته؛ يرتدي بذلة رسمية، يشدُّ عليها ربطة العنق، يصففُ شعره وينتعل حذاءه، ثم يحملُ ما تيسر له من كتب، وينعزل في واحد من أركانه التي باتت معروفةً في البيت، يتنقلُ بينها تبعاً لحركة الشمس والظل وبرودة الهواء أحياناً، وتقلّب المزاج أحياناً أخرى.
كان حرصهُ على البقاء بهذه الصورة يثيرُ حيرةَ الكثيرين، فهو دائماً على هذه الحالة رغم أنه يمضي نهارهُ في البيت، لا يخرجُ إلا في حالات نادرة، ولا يلتقي سوى عدد قليل جداً من الأصدقاء.

