You are here

قراءة كتاب أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين

أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين

على الرغم من تطور مجالات الثقافة والعلوم السريانية في بداية القرن السابع الميلادي، فإن سيطرة البيزنطيين على المدارس العليا في سوريا وضغوط الفرس وتدخلهم في حياة أهالي العراق وإشعال نار الفتنة بين المناذرة والغساسنة الذين كان من بينهم عدداً كبيراً من المسيحيي

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 6

المبحث الرابع : مملكة حاطرا (الحضر)

حاطرا ، وتعني كلة حاطرا بالآرامة التي هي لغة سكان مملكة حاطرا الرحى . وذلك لأنها تبدو بسوريها المدورين وكأنها الرحى، مملكة رافدينية عاشت زهاء أربعة قرون، وكانت أهم المحطات التجارية لمسيرة القوافل شرقاً وغرباً، حدودها الطبيعية هي دجلة من الشرق والفرات من الغرب، بالتحديد غرباً مدينة نمت عشتار (تل عفر) حتى جبال سنجارا (سنكارا Singara) من الشمال الغربي ثم حصنا عبرايا أو مسبيلا (الموصل) حتى نصيبين أو الخابور، وشرقاً حتى دجلة، ومملكة حدياب التي ارتبطت معها في علاقات وثيقة، وهي إحدى الدويلات الرافدينية التي نشأت في الفراغ الذي أحدثه القضاء على آخر إمبراطورية عراقية وهي الإمبراطورية البابلية الكلدانية عام 459 ق.م. على أيدي الأقوام الإيرانية الفارسية التي كانت تطمع في أرض العراق وكنوزها، وقد تمتعت مملكة حاطرا باستقلال ذاتي ضمن السيطرة العامة للإمبراطورية الفرثية التي كانت ترتبط بالمركز الفرثي سواء أكان في سلوقية أو قطيسفون بالدفاع المشترك عن طريق تقديم الرجال أو المال عند الحاجة.
تقع حاطرا على بعد (110كم) جنوبي حصناً عبراياً، ومنطقتها بادية في نهاية منخفض، لا تتوفر فيه المياه الجارية ولا الزروع الوافرة، شأنها شأن تدمر وباطرا أي (البتراء) وغيرهما من مدن المحطات الصحراوية التجارية القديمة التي أقيمت على حافات الصحراء السورية التي تتوفر فيها مياه جوفية.
كانت بلدة حاطرا تعتبر مركزاً من مراكز التجارة الآشورية، نشأت على المنافع التي تتجمع فيها مياه الأمطار المنسابة من على المنحدرات إلى منخفض الثرثار القريب من حاطرا، وظلت القبائل والجماعات الرافدينية من آراميين وعرب قادمين من أرض الجزيرة تتجمع فيها.
إن أول معبد مشيد فيها كان لإله الشمس (شمشا) منذ القرن الرابع قبل الميلاد، ومن المحتمل أنشأه البابليون – الكلدانيون الهاربون من الاجتياح الفارسي، نمت هذه البلدة حتى إذا ما حل منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت سلالة آرامية قوية تحكم حاطرا وما جاورها، وكان في حاطرا إلى جانب الآراميين والعرب جاليات من اليونان وميديا والفرثيين، شأنها شأن أي مدينة تقع على حافة الصحراء، وتشكل استراحة للمهاجرين والبدو، وقد ذكر المؤرخ الروماني (بليني) في تاريخه الذي وضعه عام 78م، أن من أشهر القبائل التي وردت إلى تلك المنطقة (أورى) و(دامانوس) و(سلماني) و(ماسي) وواضح أنها خليط من أقوام آرامية ونبطية وعربية، وقد بنيت بشكل دائري ذات أسوار بحيث تشبه المدينة الرحى ولذلك سميت حطرا بالآرامية.
تحالفت حاطرا مع مملكة حدياب الآرامية المجاورة، وأرسلت بعض جنودها إلى مناطق في شمال شرقي سوريا التي كانت تابعة لمملكة حدياب.
كانت السلطة في مملكة حاطرا موزعة بين الشيوخ أو السيادة الذين كانوا يعرفون بكلمة (رب) أي السيد، وبين سدنة المعابد الذين كان يُطلق على الواحد منهم (رابا- بيثا) أي صاحب البيت أو المعبد، وهو تقليد آرامي كان موجوداً في مملكة أو مدينة كوزانا الآرامية التي كانت قائمة منذ القرن العاشر قبل الميلاد، واستولى عليها الآشوريون فترة من الزمن، وتقع في شمال شرقي سوريا، وكان رئيس الكهنة يدعى (قشيشا) أي الشيخ أو القسيس([6]).
وقد وجد من خلال تماثيل آلهتهم وملوكهم وملكاتهم شبهاً كبيراً بين المملكتين في طرز ملابسهم وأشكالها.
استمدت الديانة الحاطرية معتقداتها وطقوسها من أربعة مناهج: الديانة الآشورية- البابلية والديانة اليونانية- الرومانية التي نشأت ونمت بين الأقوام الآرامية والعربية في سوريا، إضافة إلى تغلغل الطقوس والآلهة التي استخدمها اليونانيون - السلوقيون وبعدها الديانة الزرادشتية التي نشرها الفرس في العراق، إلا أن الديانة الحاطرية كانت ذات طابع متميز عن الديانات الأربع المذكورة فهي مزيج من معتقدات رافدينية وآرامية وعربية قديمة.
خص الحاطريون الشمس بالأولوية في عبادتهم، وكان البابليون قد اعتبروا (الشمس) المصدر الرئيسي للحياة والنور والنشاط الإنساني، إضافة إلى صفتي العدل والحكمة، وهكذا وجدنا الملك حمورابي أعظم ملوك بابل كان قد استمد عدالته وقوانينه من الإله شمش.
ومن الجدير بالذكر أن أهل (الحضر) كان لديهم آلهة للتثليث تتالف من الآلهة مرن ومريّن وبرمرين، أي من سيدنا وسيدتنا وابن سيدتنا، وهم الإلهة الأب والأم والابن، والتثليث هذا غير الثالوث المسيحي، لأن الثلاثة لم يرقوا إلى درجة الاندماج معاً في إله واحد، ويبدو أن المسيحية لم تصل إليهم بالرغم من انتشار المسيحية في مملكة قريبة منهم وهي مملكة حدياب، إضافة إلى اليهودية، وذلك منذ بداية القرن الثاني الميلادي (102 م تقريباً) والتي استمرت بالنمو حتى بعد الغزو الساساني للعراق.
وقد وجد في حاطرا ما يقارب ثلاثمائة مدونة باللغة الآرامية، ونصاً واحداً يونانياً، ولم يجد الآثاريون أي كتابة بالخط المسند العربي القديم ولا بالخط اليماني الذي وجد في كل من مدن تدمر وبُصرى وبطرا (البتراء)، وربما يعود ذلك إلى أن الثقافة الآرامية كانت أكثر بروزاً بين الآداب المعاصرة لها، وكان للآراميين وورثتهم السريان أدب رفيع وثقافة اكتسبوهما من خلال تجارتهم مع اليونانيين والرومان والفرس، فضلاً عن إجادة بعضهم اللغة اليونانية والبعض الآخر اللغة الفارسية بالرغم من أن لغة البلاط الفارسي كانت لا تزال اللغة الآرامية.
كانت حاطرا قد توسعت وأصبحت دولة ذات شأن في الحقبة التي ساد فيها السلم بين الرومان والفرثيين خلال السنوات 65 – 81م، وقد نقش قائد حاطرا نصرو- مريّا على إحدى المنحوتات، ويعتقد أنه قاد صمود حاطرا التاريخي عندما حاصرها الرومان بقيادة تراجان في العامين 116 – 117م، ومن أشهر ملوك حاطرا سنطروق الذي اضاف معبداً ضخماً في مقدمة الأواوين المنسقة في معبد المدينة الكبير، وخصصه لعبادة اللات، وتشير كتابة مؤرخة في العامين 193 – 194م، أن الملك سنطروق والملك عبد سميّا لقبا نفسيهما بـ(ملك العرب)، إذ ربما سادت حاطرا على الجماعات العربية التي سكنت أنحاء تلك المملكة.
في عام 194م سعى القائد الروماني سفيروس إلى احتلال حاطرا، إلا أنه فشل على الرغم من محاصرتها وضربها بالمنجنيق، وفي حكم شابور الأول الساساني قاد هذا الملك القوي جيشاً كبيراً لحصار حاطرا للقضاء عليها بسبب تحالفها مع الرومان، وبعد مضي سنة من الحصار الشاق، استطاع الاستيلاء عليها بعد النفاذ من سوريها الضخمين، وقيل بخيانة من ابنة أحد ملوكها، وكان ذلك في 27 آذار من عام 241م([7]).
وهكذا انتهت المملكة التي كانت تشع على أطراف الجزيرة ومنطقة حصنا عبرايا، وقد تم نهب كنوزها وتشريد أهلها الذين تفرقوا، فذهبوا إلى تكريتا وحصنا عبرايا وأربيلا.

Pages