على الرغم من تطور مجالات الثقافة والعلوم السريانية في بداية القرن السابع الميلادي، فإن سيطرة البيزنطيين على المدارس العليا في سوريا وضغوط الفرس وتدخلهم في حياة أهالي العراق وإشعال نار الفتنة بين المناذرة والغساسنة الذين كان من بينهم عدداً كبيراً من المسيحيي
You are here
قراءة كتاب أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
المبحث الثاني : المسيحية
إن أول ما نقول هو أن الديانة المسيحية تؤكد أولاً على وجود إله واحد محب للإنسانية، خالق للسماء والأرض، ويمكن أن يعرف الله بصورة مؤكدة بالنور الطبيعي القائم في العقل الإنساني، أن الله روح ويجب على الذين يعبدون الله أن يعبدوه بالروح والحقيقة وأن ينبذوا الأصنام والأساطير والخرافات.
إن المسيحية دين العهد الجديد الذي اعتبر فيه يسوع (عيسى) المسيح منزل من روح الله وتجسد في مريم العذراء، ومن ثم قام بعد دعوته بتضحية نفسه لأجل الإنسانية لكي يمحو خطيئتها الأولى، وقد صعد إلى السماء من حيث أتى، وهو المسيح الذي تنبأت به أسفار العهد القديم (التوراة) مشيرة إلى ضرورة ظهوره.
ظلت المسيحية تعاني لمدة أكثر من قرن من الزمن من اضطهاد اليهود أولاً، ومن ثم من عنت واضطهاد الإمبراطورية الرومانية إلى حد كبير، وإلى قسوة واضطهاد الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على العراق وعلى جزء من شمال سوريا، والمسيحية تؤمن بأربعة أسفار أو أناجيل مقدسة كلها متشابهة تقريباً، كتبتها تلاميذ المسيح بوحي من الله، فسجلوا بأمانة أعمال وأقوال ومعجزات يسوع المسيح وهي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا يضاف إليها سفر (أعمال الرسل). هذه الأسفار الخمسة تسمى بالعهد الجديد، أي رسالة المسيح إلى الإنسانية التي تمثل اتفاقاً أو عهداً بين الله ويسوع المسيح، كما كان العهد بين الله والنبي موسى في (العهد القديم) ([17]).
بُدئ بتدوين الأناجيل على يد تلاميذ المسيح في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، ولم تقر رسمياً من قبل الكنيسة وتنتشر بين المسيحيين حتى عام (367)، فالعهد الجديد يمثل أصولاً شرقية نابعة من تقاليد يهودية ومسيحية في فلسطين، فالإنجيل الأول سادت فيه أفكار تتعلق بـ (المسيح) و بـ (ملكوت الله) و (ابن الإنسان) التي كانت منتشرة في بداية القرن الأول الميلادي.
وبعد ذلك سادت بين أقوام من غير اليهود أفكار مثل (المخلص) و (ابن الله) و (جسد المسيح)، هذا التطور نجده موجوداً في إنجيل يوحنا (John) الذي يعود تاريخه إلى حوالي (100م) حيث عكس رؤية المسيح باعتباره معلماً ونبياً متميزاً، وكان يوحنا المريد المفضل ليسوع المسيح الذي أوصاه وهو على الصليب بأمه، والذي عاش في مدينة (افسوس) حيث كتب الإنجيل بوحي من الله، ثم كتب رؤيا يوحنا في جزيرة (باتموس) التي أضيفت إلى سفر (أعمال الرسل)، وهكذا فإن كتبة الأناجيل من تلاميذ المسيح، كانوا شاهدين أو مساعدين وثيقي الصلة بالمسيح.
أما موعظة أو خطبة الجبل فتعتبر الفكرة البارزة في إنجيل متى (Mathew) الذي يعود تاريخه إلى حوالي (90م)، أن صلب المسيح، بدا لأتباعه بأن نبياً عظيماً فتك به اليهود ظلماً و عدواناً، بينما بدا لدى اليهود وكأنه من الواجب القضاء على شخص لا يصدقونه، على الرغم من أنه كان يحمل رسالة دينية، وهم يصرخون بأن دمه عليهم وعلى أولادهم، لكن سرعان ما اقتنع تلاميذه بأنه سيبعث حياً، وكانوا ينتظرون وعد المسيح الذي سيمنحهم قوة روحية لحمل رسالته إلى أقاصي الأرض، وهكذا تم وخلال سبعة أسابيع بعد قيامة المسيح، ظهر المسيح لهم في (يوم العنصرة)، حينما بدأت منذ ذلك الحين الدعوة إلى كنيسة المسيح، وأما رواية الدعوة، فهي موجودة في سفر (أعمال الرسل) الذي كتب حوالي (50-55م).
من المحتمل أن أكثر تلاميذ المسيح صلابة، كان القديس بولس (Paul) بل أنه أكثر المؤمنين تحمساً للدعوة، وقد أثبت أنه داعية منظم لا يعرف الكلل ولا الخوف بالرغم من الوسط الروماني المعادي في سوريا، حيث وجد أنه يستطيع بين الآراميين في مدن شمال سوريا أن ينشر الدعوة المسيحية.
واستطاع تطوير كثير من الأفكار المسيحية وأحسن تفسيرها وثبت أسسها قبل أن يستشهد معلمه القديس بطرس في روما، وكانت رسالته الأولى إلى أهالي مدينة (كورنثوسس) قد أوضحت جوانب من الأخلاقيات المسيحية وبعض تقاليد الكنيسة المسيحية وسلوكها أثناء تقديم الخدمة الكنسية للناس كما أكد على أهمية مشاركة كل المسيحيين في عشاء السيد المسيح الأخير الذي أصبح تقليداً متبعاً في الكنيسة والذي يمثل قمة التضحية والحب لله وللمسيح الذي افتدى نفسه من أجل الإنسانية([18]).
ومن كبار تلاميذ المسيح الذي وضع إنجيلاً رابعاً، القديس مرقس (Marcos) هذا الرسول الذي أدخل المسيحية إلى مصر التي انتشرت فيما بعد وأصبح كثير من سكانها المسيحيين (الأقباط) قبيل مجيء الإسلام، وبحسب التقليد القبطي، كان أول بطريرك إلى كرسي الإسكندرية عاصمة مصر الرومانية، وأن مرقس أصله وأسرته من مدينة (سيرانيكا) الرومانية قرب مدينة (برقة) الليبية، وقد انتقل والداه اليهوديان إلى القدس حيث ولد مرقس بُعيد ولادة المسيح، وقد قبل المسيحية على يد أحد أقاربه، وتعرف إلى بطرس، ثم اتصل بالمسيح الذي أصبح يعني به، وبعد صعود السيد المسيح إلى السماء كانت الجامعة المسيحية الأولى في بيته.
وفي هذا البيت هبط الروح القدس على المؤمنين والتلاميذ في يوم العنصرة (موعده بعد أحد الفصح بخمسين يوماً) هناك كلّم التلاميذ بألسنة أو لغات مختلفة وبعدها ذهبوا للدعوة المسيحية في مختلف أنحاء البلاد، والتقليد المسيحي يعتبر هذا الحادث هو بداية لنشوء المجتمع المسيحي الأول من مجموعة من المسيحيين في فلسطين.
كان مرقس فصحياً باللغة اليونانية، وبها كتب إنجيله، وكان يتقن اللاتينية لغة الرومان الرسمية، فضلاً عن معرفته باللغة العبرية، وقد زار روما بصحبة القديس بطرس المسمى صخرة كنيسة المسيح، ويرى بعض المؤرخين أنه كان يقوم بالترجمة لبطرس في روما، وزار قبرص ومن ثم برقة مسقط رأسه وأسرته، ثم حمل إنجيله واتجه نحو الإسكندرية، وقد استشهد مرقس في سنة (68م) في الإسكندرية على يد الرومان.
وإذا ألقينا نظرة عامة على خريطة المشرق العربي في العهد الروماني حوالي سنة (120م)، وجدنا أن المسيحية قد ثبتت أقدامها في بعض المدن الفلسطينية وبعض المدن في شمال سوريا مثل انطاكيا وافسس والرها (اديسا) وصور وصيدا، فضلاً عن ذلك أنها نمت في نهاية القرن الثاني في سلوقية وطيسفون وأربيل وغيرها في بلاد النهرين([19]).


