على الرغم من تطور مجالات الثقافة والعلوم السريانية في بداية القرن السابع الميلادي، فإن سيطرة البيزنطيين على المدارس العليا في سوريا وضغوط الفرس وتدخلهم في حياة أهالي العراق وإشعال نار الفتنة بين المناذرة والغساسنة الذين كان من بينهم عدداً كبيراً من المسيحيي
You are here
قراءة كتاب أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
المبحث الخامس : مملكة حدياب (أديابين – Adiabenne)
ومملكة (سنجار Singara)
في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، نشأت في شمال شرقي العراق وفي إقليم حدياب أو اديابين إمارة أو مملكة آرامية، كانت شبه مستقلة، كما هو الحال في مملكة حاطرا في الشمال الغربي ومملكة ميشان في الجنوب، لكنها كمثيلاتها كانت تابعة للنفوذ الفارسي، وقد وجدت هذه المملكة الصغيرة نفسها بين القوتين المتصارعتين الفرثية والبيزنطية (الرومانية) لذلك اختارت سياسة وسطا بين تلك الدولتين، وكانت آلهتها رافدينية بعيدة عن الزرادشتية والوثنية الرومانية كذلك، وكانت عاصمتها أربيلا.
وقد ازدهرت مملكة حدياب في زمن الملك (مونوبازوس الأول) وقامت صلات وثيقة بين هذه المملكة ومملكة ميشان، أهمها التجارة وتبادل القوافل التي كانت تصل إلى اربيلا لتنقل من جنوب العراق بضائع هندية مثل الأقمشة والتوابل والعطور إضافة إلى اللؤلؤ الذي كان يستخرج من الخليج العربي، وقد أرسل الملك مونوبازوس الأول ابنه الأمير ايزات (الأول) إلى مملكة ميشان مع مجموعة من الهدايا الثمينة، وطلب منه المكوث للتفاهم مع رؤساء القوافل التي كانت محطتها الرئيسية مدينة فرات في مملكة ميشان.
وقد وصلت حدياب إلى أوج ازدهارها وتوسعها في عهد الملك ايزات الثالث (30-36م) حينما كانت مملكته تنعم بالاستقرار مع بعض المخاطر، عندما قبل الملك ايزات لجوء الملك الفرثي ارتيان (ارتبانوس) الثالث (11-38م) إلى أربيلا على أثر ثورة قامت ضده في قطيسفون، وقد عامله الملك ايزات معاملة طيبة كما أمده بعد ذلك بجيش استطاع بمساعدته القضاء على الثورة واستعادة عرشه، وبعد استقرار الأوضاع في قطيسفون واكتمال النصر دعا الملك الفرثي الملك الرافديني إلى العاصمة قطيسفون، ومنحه مقاطعة نصيبين كهدية له مقابل مساعدته، فضلاً عن جزء من جنوب أرمينية تعبيراً عن امتنان ورداً للجميل، فالحقهما الملك ايزات بمملكته.
ضمت مملكة حدياب مجموعات من اليهود الذين كانوا في بابل ثم انتقلوا إلى قطيسفون، ثم مدينة حزا، وكانوا في الغالب يمارسون البيع والشراء، كما برعوا في التجارة بخاصة مع مملكة ميشان التي كانت تصلها البضائع الهندية والخليجية والتدمرية([8])، في هذه الفترة اتجه ماري أحد تلامذة السيد المسيح الاثنين والسبعين، إلى بلاد ما بين النهرين كما جاء في كتاب (المجدل) نحو مدنها، بدءاً من الجنوب، فقد بشرّ بالمسيحية في ميشان (بيث هوزايي) وكشكر ثم حط في مدينة ساليق (سلوقية) عند قرية كوخي، ولم يكتف بذلك بعد تأسيس كنيسة كوخي، بل استمر في دعوته ورحل إلى حدياب([9])، وبعد ذلك عاد إلى كوخي في سلوقية ثم توفي في بلدة دير قُنّي عام 82م أو 84م على الأرجح.
ويرجح أن أول اسقف على أربيلا في مملكة حدياب كان عام 104م، وأول من رقاها إلى مقام المطرانية هو الجاثليق (فافا) وذلك سنة 300م، وكانت مدينة حصنا عبرايا (الموصل) ومدينة بانوهدارا (دهوك) أسقفيتين تابعتين لها([10])، ومنذ القرن الثاني الميلادي ترك المسيحيون الآراميون وكذلك البابليون والآشوريون اسمهم القديم وأسموا أنفسهم سرياناً أو نساطرة، تمييزاً لهم عن الوثينيين الآراميين، وقد استحسنوا هذه التسمية لأن المسيحية وافتهم من سوريا، وان كلمة سوريايا الآرامية معناها مسيحي، ولاتزال حتى اليوم مرادفة لكلمة نصراني لأي جنس أو أمة([11]).
وبعد أن توطد الحكم للإمبراطور الروماني تراجان، غادر روما متوجهاً إلى الشرق الأدنى ووصل انطاكيا عاصمة ولاية سوريا في مستهل عام 114م، ثم أعد حملة عسكرية بجيش كبير كان ينوي من خلاله استعادة فتوحات الملك الإسكندر الكبير، فتوجه إلى مملكة آرمينية وأخضعها برغم وعورة مسالكها وجعلها ولاية رومانية ثانية، وعيّن لها حاكماً من قادته، ثم سار جنوباً إلى نصيبين وماردين وكانتا تابعتين لمملكة حدياب فاستولى عليها بسهولة على الرغم من قتال قوات حاطرا (الحضر) للدفاع عن نصيبين وماردين في صفوف جيش حدياب كحلفاء لها، ثم انتقل الإمبراطور إلى الدويلة – المدينة الرها، فاضطر ملكها أبجر الثالث الذي كان مسيحياً إلى استقباله وتقديم الهدايا له، اتقاء لجيشه الجرار، وبذلك تمكن من المحافظة على عرشه، وبعد استراحة جيش تراجان في الرها، توجه تراجان أخيراً عائداً إلى أنطاكيا.
وبعد أن رتب تراجان صفوف جيشه، وعززه بقوات إضافية من مدينة انطاكيا، توجه في ربيع عام 116م إلى مملكة حدياب، فهرب ملكها وعائلته إلى همدان، وهكذا استولى تراجان على مملكة حدياب وعاصمتها أربيلا، وجعلها أيضاً ولاية تابعة لإدارته في أنطاكيا، ويبدو أنه سلك في حملته الجديدة على مملكة حاطرا يخترق جبل سنجارا (سنجار Singara) حيث وجد بالقرب من بلدة (كرسي) حجر طريق، مدون عليه اسمه باللاتينية (لغة الرومان) مع إشارة إلى حملته، وقبل أن يصل جيشه إليها، اضطر ملكها نصرو الثالث (115- 135م) أن يرحب به كما فعل الملك ابجر، وأن يقدم له من الهدايا ما يرضيه، وخصوصاً بعد استيلائه على حليفته مملكة حدياب، وبذلك اعترفت حاطرا به إمبراطوراً.
سار تراجان بعد ذلك إلى فتح عاصمة الفرثيين في العراق (قطيسفون) ففر ملكها الفرثي ولكاش (Volgash) الثاني (106-147م) تاركاً وراءه عرشه الذهبي وأفراد عائلته، ثم زحف تراجان هو في عنفوان مجده إلى جنوب العراق لإخضاع مملكة ميشان، واستطاع أن يحطم جيش الملك اتمبيلوس الخامس، ووصل إلى رأس الخليج العربي حيث أقيم له تمثال في ذكرى انتصاراته المتلاحقة.
ولم يدم هذا النصر الخاطف طويلاً، ففي السنة نفسها، أعلن العصيان كل من مملكة حاطرا والدولة – المدينة الرها التي كان يحكمها أمراء من أصول آرامية وعربية، وسمع الإمبراطور تراجان باخبار العصيان وهو يزور مدينة بابل العظيمة التي قصدها لزيارة الموضع الذي مات فيه الإسكندر الكبير، فجمع جيشه اللجب في الحال، وسار لقمع الثورات، وقاد الجيش بنفسه للقضاء على تلك العصيانات، وبدأ بمملكة حاطرا فحاصرها، وكان الوقت صيفاً فلم يحتمله جيشه الروماني، فباءت حملته تلك بالفشل، وتخلى عن حصاره وانسحب إلى انطاكيا حيث توفي في العام التالي (117م).
تعرف سنجار أو سنكارا (Singara) في التاريخ بكونها أحد مراكز طريق القوافل بين بلاد الرافدين وشمال سوريا، وكانت سنجار في القرن الأول للميلاد مركزاً لدويلة آرامية عاشت فترة قصيرة، على الأرجح بين السنوات (50-116م) وقد سكّت مملكة سنجار نقوداً باسمها في نهاية القرن الأول للميلاد، وكان لها طريقاً خاصاً بينها وبين مملكة حاطرا مما يدل على عمق صلاتها السياسية التجارية مع تلك الدويلة، لكن سرعان ما ضُمت إلى الإمبراطورية الرومانية ومن ثم إلى المملكة الفارسية.
وبعد حملة تراجان العنيفة، ساد العراق وأقاليمه ومناطقه استقرار نسبي لفترة قاربت مئة عام، حتى مجئ أقوام فارسية أخرى هم الساسانيون الذين قضوا على الممالك الرافدينية الأربعة حدياب وحاطرا وميشان وسنجار، وذلك في الأعوام 221-226م، لكن الرافدينيين ذوي الحضارة والأصالة، ما لبثوا أن أقاموا مملكة جديدة وذلك في نهاية القرن الثالث وهي مملكة الحيرة العربية المسيحية، التي بسطت سيطرتها وتأثيرها على جنوب العراق ومدن مملكة ميشان السابقة كرخا وبرات ميشان وأبلا (الأبلة) وشمال شرقي الجزيرة العربية، وكذلك البحرين وقطرايا (قطر) حتى منتصف القرن السابع الميلادي.


