كتاب " الحضارة العربية الاسلامية في المغرب (العصر المريني) "، تأليف د.مزاحم علاّوي الشاهري ، والذي صدر عن دار مركز الكتاب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب الحضارة العربية الاسلامية في المغرب (العصر المريني)
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الحضارة العربية الاسلامية في المغرب (العصر المريني)
3- صراعهم مع الموحدين
تعاقب على رياسة بني مرين رؤوسا كثيرون قبل دخولهم المغرب، حيث كانت لمحمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين، ولما توفي قام بأمرهم اكبر أولاده حمامة بن محمد، ثم خلفه أخوه عسكر، وولده المخضب الذي ظل على زعامة قومه حتى قتل قي موقعة قادها ضد الموحدين في مكان يعرف بفحص مسون في سنة 540هـ-1145م (29).
تولى عبد الحق بن محيو زعامة قومه بعد أن كانت لأبيه، كما استمرت فيما بعد بأبنائه، وقد اظهر الأمير عبد الحق براعة سياسية، «وكان عالما مشهوراً وأميرا مطاعا يقفون عند أمره ونهيه، ويصدرون في جميع أموره عن رأيه» (30)، وفي أيام إمارته على بني مرين بدأ ضعف الموحدين وزحف المرينيون نحو الشمال، حيث دخلوا أراضي المغرب الأقصى عن طريق وادي تلاغ (31)، وأقاموا ببلاد الريف وبطوية (32).
اخذ المرينيون يغيرون على النواحي المجاورة لهم ويتصرفون بلا وازع من السلطة الموحدية، لاختلال حالها، فشكا الناس حالهم إلى الخليفة الموحدي وقتئذ يوسف المنتصر الذي أمر بتشكيل قوة بقيادة الشيخ الحسن بن واندين، وكلف عامل فاس إسحاق بن يوسف بمساندته، وكانت القوة مكونة من عشرة ألاف مقاتل (33).
التقت القوتان عند وادي نكور بفحص الوادي ما بين رباط تازا والمقرمدة سنة 613هـ-1216م فمنيت قوة الموحدين بهزيمة منكرة وأطلق على هذا العام عام المشعلة (34). وهذا مما حفز قبيلة بني مرين على شن حملة في السنة نفسها على رباط تازا وقتل عامله(35).
لم تقف الدولة الموحدية مكتوفة الأيدي إزاء الانتصارات المرينية المتلاحقة فعمدت إلى توظيف بني عسكر الذين اغاضهم انتصارات بني حمامة أبناء عمومتهم فتحالفوا مع عرب رياح ضد بني مرين، وتمكن هذا الحلف من تحقيق انتصار عسكري على بني مرين بالقرب من وادي سبو على اميال من تافر طاست بوا جرمان(36)، ونتج عن تلك الموقعة مقتل الأمير عبدالحق وولده إدريس اللذين دفنا في تافر طاست في الموضع المعروف بسوق الجمعة(37).
عقد بنو مرين لأبي سعيد عثمان بن عبد الحق في سنة(614هـ/ 1217)(38). بعد أن خاضوا معركة ثانية ثأرا لقتلاهم، لم يهدأ أوراها حتى تمكنوا من إخضاع عرب رباح لطاعتهم وإرغامهم على دفع ضريبة سعرية لهم (39).
استطاع الأمير عثمان بن عبد الحق أن يخضع عدة قبائل أخرى لنفوذه كهوارة وزكارة وتسول ومكناسة وبطوية وفشتالة وسدراتة وبهلولة ومديونة، كما فرض على أهالي فاس ومكناسة ورباط تازا وقصر عبد الكريم ضريبة سنوية لقاء حمايتهم، كما تمكن أيضاً في سنة (620هـ/ 1223م) من إخضاع قبائل جناته والقبائل العربية التي كانت تسكن منطقة ازغار، وعين عمالا عليها(40)، وبحلول سنة (625هـ/ 1227م) خضعت كافة القبائل التي سكنت وقتئذ وادي ملوية إلى رباط الفتح، ولم يزل على هذا المنهج حتى اغتاله علجبوادي ردات سنة (638هـ/ 1240م) (41).
بايع المرينيون أخاه محمد بن عبد الحق الذي «اقتفى سنن أخيه في تدويح بلاد المغرب واخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم من باديته» (42)، إلا أن الدولة الموحدية تمكنت من تحقيق هزيمة كبيرة للمرينين بالقرب من فاس بمنطقة تدعى أغلان سنة (642هـ/1244م) وولي أخوه الأمير أبو بكر بن عبد الحق (43).
تمكن المرينيون في عهد أميرهم أبي بكر من السيطرة على مكناسة سنة (643هـ/ 1245م) بعد أن انحاز إليهم واليها على بن أبي العافية، ولما كانت سنة (645هـ/ 1247م) تقدم السعيد لاسترجاع فاس فتراجع بنو مرين أمامه باتجاه منطقة تازا والريف، شعورا منهمبعدم القدرة على مواجهة قوته، فعادت مكناسة إلى الموحدين، كما أرسل الأمير أبو بكر ببيعته إلى الخليفة السعيد، وأرسل له خمسمائة مقاتل من بني مرين تأكيدا لولائهم (44).
استطاع المرينيون إخضاع فاس في سنة (646هـ/ 1248م) أي بعد أن لقي الخليفة السعيد مصرعه على يد بني عبد الواد، ولم تستقر الأوضاع فيها حتى سنة (648هـ/1250م)، عندما تمكن المرينيون من تصفية العناصر الموالية للموحدين الذين تأمروا عليهم عندفتحها أول الأمر(45).
استطاع الأمير أبو بكر السيطرة على سلا ورباط الفتح في سنة (649هـ/ 1251م)، غير أن الخليفة المرتضى الموحدي عزم على استرجاع المدن التي سقطت بيد المرينين، فجهز خطة عسكرية سنة (653هـ/ 1255م) تقدر بحوالي ثمانين ألاف مقاتل فالتقى بالمرينينعند احواز فاس في موضع يدعى بتي بهلول وانتهت المعركة بهزيمته، وكانت من المعارك التي شجعت المرينين على السيطرة على بلاد تاولا وسجلماسة ودرعة التي سقطت في قبضتهم سنة (655هـ/ 1257م)(46).
توفي الأمير المريني سنة 656هـ/ 1258م فأعطيت البيعة لابنه عمر في حين فضل أشياخ بني مرين عمه يعقوب بن عبد الحق الذي وصل إلى فاس، بعد أن كان في تازا، فتمت له البيعة بعد أن قضى ابن أخيه أشهرا قليلة فيها (47).
وعرف عن الأمير يعقوب بن عبد الحق انه «لم تهزم له قط راية ولم يكسر له جيش ولم يغز عدوا إلا قهره ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمره ولاقصد بلدا إلا فتحه»(48). وتمكن في سنة 658هـ- 1259م من إخضاع انفا (الدار البيضاء) وتامسنا، وفي السنة نفسها أدرك المرتضى الموحدي تعاظم أمر المرينين فلم يجد بدا من مهادنتهم، فأرسل هدية إلى الأمير يعقوب، وطلب عقد صلح بينهما على أن يكون وادي أم الربيع الحد الفاصل بينهما، إلا أن ذلك كان أشبه بهدنة أرادها المرتضى استعدادا لمجابهتهم، وفعلا قامت بينهما في سنة 659هـ-1250م موقعة أم الرجلين التي انتهت بهزيمة المرتضى(49).
أما في سنة 660هـ - 1261م فقد توجه الأمير يعقوب قاصدا مراكش فتصدت قوات المرتضى بقيادة إدريس الملقب بأبي دبوس، فاشتبكت القوتان، إلا أن القوات المرينية انسحبت على أثر مقتل الأمير عبد الله بن يعقوب، وكان الخليفة المرتضى قد أدرك خطورة هذاالأمر، فأرسل تعزية للأمير يعقوب، وتعهد له بدفع ضريبة سنوية، على أن تحل الخلافات بينهم، إلا أن الأمير المريني لم يوافق على ذلك وذلك لأن حلم السيطرة على مراكش مازال يراوده(50).
هرب قائد الجند الموحدي أبو دبوس إلى الأمير يعقوب بن عبد الحق لوشاية وصلت أسماع المرتضى، وطلب منه أن يعينه على المرتضى مقابل إعطاء الأمير يعقوب نصف الأراضي التي يسيطر عليها، فكتب الأمير يعقوب بن عبد الحق إلى القبائل العربية وهسكورة يطلب منه مؤازرته (51).
قام المرتضى باعتقال شيخي قبيلتي بني سفيان وجابر، فأثار ذلك استياء ضده، بينما عزز ذلك من دور أبي دبوس الذي تمكن من اقتحام مراكش، في الوقت الذي هرب فيه المرتضى، والتجأ إلى صهره ابن عطوش والي ازمور الذي أرسله مكبلا إلى أبي دبوس فتمكن من قتله في صفر من سنة 655هـ / تشرين الثاني 1266م (52).
لم يف أبو دبوس بالعهد الذي قطعه على نفسه للأمير يعقوب فتقدم الأمير إلى مراكش، فاتجه أبو دبوس بأنظاره إلى يغمراس بن زيان طالبا نصرته، فاضطر الأمير يعقوب إلى مواجهة الأخير في وادي تلاغ سنة (666هـ/ 1267م) فكانت الدائرة على يغمراس بينما عادالأمير يعقوب بسحبه بعيدا عن العاصمة مراكش، وما أن وصل إلى وادي غفو حتى كر راجعا، وشعر أبو دبوس بضعفه أمام المرينين فحاول الهرب إلا انه لم ينج من قبضة المرينين، فقتل في ميدان الحرب، وانتهت به دولة الموحدين(53).

