You are here

قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الفكر النقدي وأسئلة الواقع

الفكر النقدي وأسئلة الواقع

كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

3. الفدرالية: مزايا ومزالق

يقرر بعض الباحثين في القانون الدستوري بأن من شأن تطبيق الفدرالية تطبيقاً سليماً إن يؤدي إلى تحقيق فوائد مهمة، منها:

1. أن الفدرالية تحمي البلاد ضد الضغوط الخارجية؛ فالنظام الفدرالي، في جوهره، دفاع ضد التقسيم والغزو الخارجي وليس موجهاً ضد الداخل.

2. أنها تركز الموارد والجهود البشرية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والعلمية في قطب عام وموحد يكرس لخدمة المصالح العامة لكل البلاد.

3. أنها توفر سوقاً اقتصادية أوسع وتكاملاً أكبر للكيانات المكونة للدولة الاتحادية.

4. أنها يمكن أن تكون وسيلة لحماية الوحدة الوطنية بما توفره من ممارسة للحرية السياسية ومن مرونة اقتصادية وإدارية.

وينبغي أن نقول، هنا، بأنه لكي تتحقق الفدرالية ينبغي أن تكون هناك قيم سياسية عامة مشتركة ومتفق عليها بين الأغلبية العظمى من أبناء الشعب. فالفدرالية ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً. وإنما هي نظام حكم قد ينجح في التطبيق أو قد يفشل اعتماداً على توفر جملة من الشروط الذاتية والموضوعية، وعلى توفر العناصر الممهدة التي تجعل الأخذ بنظام الحكم الفدرالي إجراءً علاجياً ناجعاً لأزمة نظام الحكم أو لتقرير نوع نظام الحكم. ويمكن إجمال هذه الشروط في الآتي:

1. أن يكون تبني النظام الفدرالي تعبيراً عن إرادة عامة للشعب العراقي، وأن تكون هذه الإرادة صادرة عن وعي سياسي وقناعة فكرية بأهمية نظام الحكم الفدرالي وأفضليته بالقياس مع الحكم المركزي. وليس انطلاقاً من حاجات مرحلية أو قناعات ظرفية لهذا الطرف السياسي أو ذاك. فهذه الحاجات قد تتغير في فترة لاحقة إلى النقيض من الإيمان بضرورة العيش المشترك في ظل الدولة الاتحادية، وهو ما سيؤدي إلى نقض الميثاق الدستوري الذي بنيت على أساسه الفدرالية. ونقترح بصدد ذلك أن يتضمن الدستور مادة أو مواد صريحة ضد أية خطوات تؤدي إلى تفتيت كيان البلاد أو تهدد وحدتها بالصميم، كأن ينص الدستور، بما هو تعبير عن إرادة حرة لجميع الفرقاء المنضوين تحت عنوان ممثلي البلاد، على تحريم الانسحاب من الدولة الاتحادية لأي سبب كان. وهذا ما سكت عنه الدستور العراقي الحالي.

2. أن لا تكون هناك محاذير منطقية ومسوغة، واستناداً إلى الظواهر الجزئية المنبئة بما سيكون، التي تحدث حالياً في البلاد، من أن تطبيق النظام الفدرالي سيؤدي لا محالة إلى تكوين حكومة أو كيان سياسي ضعيف في المركز مؤلف من كيانات سياسية ضعيفة أيضاً، والضعف يولد المخاوف والهواجس كما هو معلوم. وهو الأمر الذي سيؤدي بالنتيجة إلى البحث عن دعم جهات ساندة من خارج البلاد. ولذلك لا بد من تعزيز دور المركز دستورياً وتحريم أية علاقات للأقاليم مع أي طرف خارجي يمكن أن تؤدي إلى تعويق التفاعل الإيجابي الداخلي بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم نتيجة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد. فكما أنه لا رأي لنا ولا تدخل في شكل السلطة السياسية أو مسألة العلاقة بين السلطة المركزية والجهات التي تعارضها في البلدان المجاورة، كذلك لا رأي لأية دولة من دول الجوار ولا تدخل لها في شؤوننا الداخلية.

3. من المعلوم أن تشكيل الدولة الاتحادية من أقاليم أو ولايات ينبغي أن يستند إلى حدود داخلية واضحة لهذه الأقاليم. ويجب أن لا تكون هذه الحدود موضع خلاف أو تجاذب من أي نوع كان؛ وإلا فإن تطبيق الفدرالية دون حسم مسألة حدود الأقاليم سيؤدي إلى بداية فعلية للحرب الأهلية، وكما صرح بذلك أحد أقطاب السياسة العراقيين مؤخراً. فالفدرالية يجب أن تكون نهاية حقيقية لكل أشكال النزاع الداخلي وتعزيزاً للسلم الأهلي والاستقرار الدائم في البلاد وليست فترة استراحة وتجميع للقوة قبل الشروع بالحرب.

4. أن تكون طبيعة العلاقة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم أو الولايات واضحة لا تحتمل اللبس أو الغموض مع التوكيد على مبدأ دستوري صريح هو أن سلطة الأقاليم هي دون سلطة المركز الاتحادي. وفي حال حدوث تعارض بين الصلاحيات الدستورية للسلطتين فإن الأرجحية في التطبيق تكون لصالح السلطة الاتحادية. ونلاحظ هنا بأن الدستور الدائم قد نصَّ في أحد مواده على أرجحية السلطة المحلية الإقليمية في حال حدوث مثل هذا التضارب. وهذا يعني أن العراق دولة كونفدرالية وليس دولة فدرالية. لأننا نعلم جيداً أن بين من أهم الخطوط الفاصلة بين الدولة الفدرالية والدولة الكونفدرالية هو هذه المسألة. لذلك فإن تقديم لسلطة الأقاليم على السلطة الاتحادية انتقال من الفدرالية إلى الكونفدرالية كما يعرفها فقهاء القانون الدستوري. وهو ما يرقى إلى أن يكون توطئة لنزاعات وخلافات تؤثر سلباً على مجمل العمل السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد نظراً لأن البلاد لا تكاد تتفق على الفدرالية التي تحافظ على كثير من قوة وسلطة الحكومة الاتحادية فما بالك بالكونفدرالية التي هي تجميع لكيانات أو ولايات أو دويلات شبه مستقلة وتملك حق الاستقلال في الوقت الذي تراه مناسباً، كما هو الحال في دولة كندا الكونفدرالية التي يمكن أن يستقل عنها إقليم كيوبك حالما يتمكن دعاة الاستقلال من الفوز في الانتخابات التشريعية في الإقليم.

5. أن ينص في الدستور على أن القرار في قضايا الدفاع، ويتضمن ذلك مسألة تشكيل القوات المسلحة وعديدها وتجهيزها وتدريبها ونشرها في أرجاء البلاد كافة، هو حق للسلطات الاتحادية حصراً. وأن لا يسمح بتشكيل قوات في الأقاليم، وخارج سيطرة الحكومة الفدرالية، تتجاوز حاجة الأقاليم لتنفيذ الواجبات الأمنية الاعتيادية وذلك لانتفاء حالة التهديد الداخلي.

6. وأن ينص في الدستور على أن القرار الأخير في السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والعلاقات الاقتصاد الخارجية ذات الطابع الاستراتيجي، مثل اتفاقيات التصدير والاستيراد لمواد مثل النفط والغاز والمعادن الأخرى، حق حصري للسلطة الاتحادية.

7. كما أن للبرلمان والحكومة الاتحاديين السلطة العليا بخصوص السياسات المعتمدة في التنقيب والاستثمار والتوزيع والتصرف بعوائد موارد الثروات الوطنية من مياه ونفط وغاز وفوسفات وأية موارد أخرى لصالح الشعب العراقي. على أن يكون ذلك مشروطاً بما يؤمن تنمية متوازنة للبلاد تؤدي تدريجياً إلى القضاء على مظاهر التباين في مستويات التطور بين الأقاليم من جهة وبين الريف والمدينة من جهة ثانية.

8. ولا بد أن تكون للسلطات الاتحادية السلطة العليا في خطط التنمية الاستراتيجية ومشاريعها التي تتجاوز في انتشارها الجغرافي حدود الإقليم أو أن تكون آثارها البيئية مما يتجاوز حدود الإقليم، مثل مشاريع إنشاء السدود والبنى التحتية الإستراتيجية من طرق وجسور وخطوط نقل الطاقة الكهريائية ومد أنابيب النفط والغاز، إذ مما لا شك فيه أن من شأن مثل هذه الخطط أن تستثمر الطاقات الاقتصادية والبشرية والموارد الفنية والتقنية على مستوى البلاد كافة، وهو الأمر الذي قد يصطدم بسلطة الحكومات المحلية في هذا الإقليم أو ذاك، أو بالتشريعات الإقليمية فيها. ومن المعلوم أن التنفيذ الفعلي لمثل هذه الاستراتيجيات والخطط التنموية يعبر عن حاجة فعلية للبلاد كافة وليس لإقليم بعينه. وهو مما سيؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإقامتها على أسس أكثر رصانة. ولا مجال للخوف من حكومة وبرلمان اتحاديين من هذا النمط لسبب جوهري مهم للغاية لأن الحكومة الاتحادية ستكون مكونة من أبناء الأقاليم كافة. كما أن أعضاء البرلمان الاتحادي سيكونوا ممثلين لأبناء الأقاليم كافة. وهو مما يكفل أن تتفرغ كل من السلطات الاتحادية وسلطات الإقليمية التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى إنجاز مهماتها دون الدخول في دوامة تداخل الصلاحيات وعدم وضوح المسؤوليات والصراع القانوني العقيم بشأن كل ذلك.

9. أن ينص في الدستور على تشكيل محاكم عليا في كل إقليم تتمتع بسلطة تفسير مواد الدستور الخاص بالإقليم فضلاً عن مراقبة أداء الأجهزة القضائية فيه. وأن ينص الدستور أيضاً على حق المواطنين سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين، أو الأفـراد، أو أشخاصاً معنويين، أو الهيئات والشركات، في طلب التقاضي والتمييز أمام القضاء الفدرالي لا أن يقتصر الأمر على الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم فقط لأن المظالم والتجاوزات قد لا تكون سياسية عامة بقدر ما هي شخصية وفردية أو تخص هيئة أو جمعية أو شركة ما.

10. أن ينص في الدستور على أن للمواطن العراقي حرية الانتقال والعمل والسكن في أي من أقاليم البلاد دون أية عوائق أو إجراءات خاصة تجعل من وضعه شبيهاً بوضع الأجانب.

11. أن ينص في الدستور الاتحادي على عدم جواز سن البرلمان الاتحادي أو البرلمانات الإقليمية أي قانون يتعارض وأحكام الدستور. وأن تجري مراجعة شاملة للقوانين التي صدرت قبل قيام الحكم الفدرالي في صورته النهائية لكل القوانين التي صدرت سابقاً لإلغاء ما يتعارض مع الدستور، أو تعديله بما ينسجم وأحكام الدستور.

12. وأن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية الدولة، سواء أكانت اتحادية أم إقليمية، وكل ما يرتبط بكل منها من أجهزة وهيئات، مبنية مادياً وفنياً على أسس تنسجم مع طبيعة ممارسة السلطة في النظام الفدرالي وهي مهيأة لإنجاز ما يتوقعه المواطن منها. وفضلاً عن هذا الجانب التقني، يجب أن لا تكون في الأقاليم وزارات للخارجية والدفاع أو أن تنشئ بنوكاً مركزية أو أن تصدر عملات خاصة بها.

وأخيراً، قد يقول البعض أن صورة الحكم هذه تشبه الحكم المركزي، وأنها بعيدة عن الحكم الفدرالي. فنقول أنها تمثل جوهر الحكم الفدرالي الذي يحافظ على مزايا النظام الاتحادي. وفي تقديري بأن النظام الفدرالي ليس بالصيغة الجامدة، وإنما هو صيرورة متواصلة من التفاوض الدائم الذي يبحث في قضايا لم يجر الإقرار بها، وقضايا قابلة للحل، وأخرى غير قابلة للحل في الوقت الراهن. وأن من الممكن تطوير التجربة استناداً إلى تطور المعطيات السياسية والاجتماعي من خلال نقد ومراجعة ما أفرزه التطبيق الفعلي للفدرالية من مشكلات وإمكانيات للتطور المستقبلي. وإذا كان البعض يعبر عن هواجس ومخاوف في حال عدم الإسراع بتطبيق النظام الفدرالي فإن للآخرين هواجسهم ومخاوفهم أيضاً من الإسراع في عملية التطبيق هذه. ولما كانت الدول والأنظمة السياسية لا تبنى على الهواجس والمخاوف وإنما على الثقة المتبادلة، فإننا نعتقد بأن على جميع السياسيين والمثقفين والمختصين بالقانون الدستوري والمهتمين بالشأن العام أن يتصدوا للبحث في هذه القضية الأساسية حتى يكون بناؤها على أسس قويمة تدفع بالعراق كله على طريق التقدم الاجتماعي والاقتصادي السياسي وتمكنه من أن يلعب دوراً فاعلاً وإيجابياً يتناسب مع مكانته الجيوستراتيجية التي يستحقها بوصفه بلداً محورياً مهماً في المنطقة والعالم.

أليس كذلك؟

Pages