كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
في مشكلة مقومات الهوية
لعل مسألة تحديد مقومات الهوية من أكثر القضايا صعوبة وحساسية لأنها تنطوي بالضرورة على إغراءات أيديولوجية قد تطيح بالبعد المنهجي والموضوعي للبحث في تحديد هذه المقومات. فقد طرحت الأيديولوجية الماركسية مفهوماً أُممياً للهوية تجسد في شعار (يا عمال العالم اتحدوا) الذي يدعوا إلى وحدة عمال بلاد العالم كافة على أساس طبقي. ولكنه في الوقت نفسه ينطوي ضمناً على وحدة من نوع آخر هي وحدة الرأسماليين على أساس طبقي أيضاً. وبذلك ظهرت أولى ملامح الهوية الطبقية التي تتجاوز الحدود والمقومات القومية والدينية. لكن المفهوم الطبقي هذا كان فضفاضاً وطوباوياً إلى درجة أنه لم يصمد طويلاً حين اختار العمال في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا الوقوف وراء حكوماتهم الرأسمالية أثناء الحروب الأوروبية المحلية والعالمية متجاهلين هويتهم الطبقية ومنحازين لهويتهم القومية. ومنذئذ بقيت مسألة الهوية وعناصرها التكوينية مطروحة للجدل والسجال الفكري والأيديولوجي. فما هي الهوية؟ وما هي العناصر أو المقومات التي يجب أن تدخل ضمن مكوناتها؟ وهل ينحصر تعريفها على الدين والقومية فحسب؟ وما هي خيارات الهوية المتاحة الآن أمام العراقيين؟
ليس القصد من التوكيد على الآنية في السؤال قبل الأخير الزعم بآنية الهوية المرجوة؛ وإنما هو فقط للإشارة إلى الوضع المتفاقم لأزمة الهوية في العراق في هذه المرحلة بالذات. وهو وضع يتطلب، وبإلحاح، إجابة تتوافر لها عناصر تاريخية ملموسة ومقومات حقيقية على أرض الواقع فضلاً عن تطلعات مستقبلية مشروعة من جهة وممكنة من جهة أخرى. وسوف فنبدأ بالإجابة على السؤال الأخير لأن الإجابات على بقية الأسئلة ستحدد وتجد إجاباته أثناء التوسع في الإجابة عليه.
إذا استبعدنا الخيار الطبقي لأنه فضفاض وطوباوي، ولأنه لم ينجح تاريخياً في البلاد المتقدمة التي توجد فيها طبقة عاملة ناضجة، وتأملنا في خيارات الهوية المتاحة أمام العراقيين لرأينا أنها تتلخص في ثلاثة خيارات متمايزة جوهرياً هي:
1. الهوية الدينية: وتستند هذه الهوية إلى الدين الإسلامي. وهي ذات بعد تاريخي يستحضر بالضرورة تاريخ الدولة الإسلامية التي قامت بالإسلام وعلى الإسلام. تلك الدولة التي كانت لها إنجازات حضارية عظيمة. وكانت لها، في الوقت نفسه، أخطاء جسيمة على المستوى السياسي. وليس الغرض من هذا الكلام نقد الدين الإسلامي الذي نرجو أن يحظى باحترام يبعده عن الاستعمال في الصراعات السياسية والاجتماعية. إنما هو نقد لتجربة الحكم والحاكمين باسم الإسلام. وبما أن هؤلاء الحاكمين من البشر، فهم إذن ليسوا بمنأى عن النقد. ويمثل حلم استعادة الدولة الإسلامية مجدداً الركن الأساس في مثل هذه الهوية والبعد المستقبلي لها أيضاً. لكن هذه الهوية الحلم تبتعد كثيراً عن أرض الواقع وما يحفل به من حقائق وقضايا ساخنة ليرسم حدود هوية فضفاضة وطوباوية أيضا ً تتجاوز حقائق التاريخ في الماضي ومتغيرات الواقع الاجتماعي والحضاري في الوقت الراهن؛ وذلك لكونها تتجاهل ذلك التنوع الهائل عرقياً ولغوياً وثقافياً للشعوب الإسلامية في عصرنا. وتتجاهل تمدد تلك الشعوب وانتشارها على جغرافية شاسعة تشكل في نهاية المطاف حاجزاً يحول تماماً دون حلم الدولة الإسلامية الواحدة. فلهذه الشعوب سياقات تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي شديدة الاختلاف، فضلاً عن كون الهوية الإسلامية المفترضة تتجاهل أيضاً الاختلافات الفقهية. فالدين ليس نصوصاً مقدسة فحسب، وإنما هو نصوص مقدسة وتفسيرات مختلفة لها. بمعنى أن مثل هذه الهوية ستدخلنا في مشكلة تاريخية مزمنة وتجعلنا جزءاً من كل غير موحد من حيث طبيعة المشكلات الاجتماعية التي تعانيها أو الثقافة التي تتبناها أو الأهداف التي تتوخى تحقيقها. (أنظر يوسف سلامة: ص 6) وهذا سوف ينعكس سلبياً على الوضع في العراق. وهو البلد الذي يعيش في وضع مترد ٍ ومأزوم أصلاً. ويمكن أن نضيف أيضاً أن مثل هذه الهوية ستكون بالضرورة ذات طابع شمولي لأمرين: أولهما كون الإسلام، كباقي الأديان، دين شمولي، وثانيهما أن هدفاً بهذه الجسامة، وهو هدف يمكن أن يوصف بالاستحالة أيضاً، لا يمكن السعي لتحقيقه دونما فلسفة في الحكم ذات طابع شمولي. لذلك فإن الهوية الإسلامية تتجاهل وجود مواطنين يعتنقون أديان أخرى في العراق (و في باقي أجزاء البلاد الإسلامية). وهؤلاء يأملون بهوية لا تـُعطى لهم كمنحة دالة على تسامح الأكثرية المسلمة بقدر ما هي حق طبيعي لهم غير منازع. وهذا الأمر يمثل أهم نقاط الضعف في فلسفة الهوية الإسلامية. وهو لا ينطبق على العراق فحسب، بل ينطبق أيضاً على مصر والسنغال ولبنان وتركيا وإيران وكثير من البلاد الإسلامية الأخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
2. الهوية القومية: للوهلة الأولى، تبدو الهوية القومية أكثر قرباً من الواقع بالمقارنة مع الهوية الدينية. فهي ترتكز على العروبة متخذة منها منطلقاً في تحديد الهوية القومية للشعوب التي تعيش في البلدان التي يصطلح عليها بالوطن العربي. وبذلك يصح القول أن هذه الهوية ترتبط بواقع مجزأ فعلياً من جهة، وبتطورات سياسية واجتماعية قد تحصل، أو قد لا تحصل، في هذه المنطقة في المستقبل من جهة أخرى. بمعنى أنها هوية معرفة بواقع سياسي مجزأ وسلبي هو كون البلدان العربية مقسمة إلى أقطار. والحقيقة أنها هوية معلقة على شروط مستقبلية غير متحققة على أرض الواقع مثل القول بتحول هذه الكيانات القطرية إلى التعاون الحقيقي البناء وبنضج الشروط الذاتية والموضوعية المناسبة ليتحول هذا التعاون المأمول إلى شكل من أشكال التوحيد للبلاد العربية. وهذا مما يجعلها غير مناسبة إجرائياً في حل مشكلة أزمة الهوية التي يعيشها الشعب العراقي حالياً وحتى زمن مستقبلي منظور. كما إن هذه الهوية لا أساس تاريخي لها إذ لم يسبق أن تكونت دولة في هذه البلاد الموصوفة بالعربية على أسس قومية عربية محضة. فالإسلام هو الذي وحَّدَ العرب الذين كانوا قبله قبائل متناحرة. وقد وحَّدَ الإسلام كثيراً من الأمم الأخرى في دولة واحدة. وقد يقول قائل: أليس هذا إقرار منك بقدرة الهوية الدينية، وهي التي سبق لك أن رفضتها، على توحيد المختلفين والمتفرقين سواء أكانوا عرباً أم من أُمم أخرى؟ فأقول أن التوحيد الإسلامي قد جرى على مراحل استغرقت أكثر من القرن. وحدث ذلك في مرحلة تاريخية مواتية داخلياً من حيث زخم الانطلاق الأول لحضارة ناهضة تواجه حضارات آيلة للتفكك الوشيك. أعني أن التوحيد حدث في ظرف تاريخي فريد من جميع النواحي. وهو وضع لم ولن يتكرر على النحو نفسه مطلقاً. إذ نعرف من تاريخنا العربي الإسلامي نفسه أن التوحيد في دولة واحدة، وهو توحيد أستمر حتى قيام الدولة العباسية ونشوء مركزين للحكم وفي بلاد الأندلس، سرعان ما انحسر ليحل مكانه التفتيت التدريجي الذي استغرق حوالي ثلاثة عشر قرناً. وفي أثناء ذلك، دارت حروب بينية داخلية دموية في دول أو دويلات الإسلام. وهذا يجعلنا ندرك أن تعريف الهوية على أساس الإسلام ضرب من البناء على أسس مشتقة من خيال ورغبات وتوق إلى تاريخ ٍ انتهى ولم يعد لـه وجود. واستناداً إلى ذلك نقول أن لا فرصة لهذه الهوية في النجاح مرة أخرى. وأما بالنسبة الهوية القومية العروبية، فالحقيقة أنها تستند، تاريخياً، إلى نموذج الدولة- الأمة التي ظهرت في أوروبا؛ ثم تجسدت في التوحيد الإيطالي والألماني في القرن التاسع عشر. وما أعقب ذلك من تفكك الإمبراطوريتين العثمانية (الإسلامية) والنمسا والمجر (المسيحية) إلى مكوناتهما الأساسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. والهوية القومية تشترك مع الهوية الدينية الإسلامية في كونها تحاول إعادة تجربة حدثت في ظرف تاريخي متفرد ولا يمكن تكراره. ولكنها تختلف عن الهوية الإسلامية في كونها تحاول تكرار تجربة لم تحدث في الشرق العربي الإسلامي، وإنما حدثت في بعض بلدان أوروبا. وهي تجربة أدت إلى حروب طاحنة بين تلك البلدان. ولعل من المناسب أن نذكر بأن أوروبا تسعى حالياً لتجاوز تجربة الدولة القومية بعد أن استنفدت أغراضها. فهل يراد لنا أن نجرب نموذجاً مستهلكاً للهوية؟ ويستند الفكر القومي العربي أيضاً في كثير من أطروحته النظرية، وإن كان منظروه ينكرون ذلك، على كتابات الفيلسوف الألماني فيخته (1762-1814 م) وخصوصاً ما جاء في خطاباته إلى الأمة الألمانية. ويمكن أن يبنى نقد هذه الهوية أيضاً على تجاهلها لحقائق الدولة القطرية على الأرض التي صارت الآن، كما يقول محمد عابد الجابري، وهو أحد القائلين بالهوية القومية، أنها حقائق صارت «حقيقة نفسية فضلاً عن كونها واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودولياً» (الجابري: 14). كما أن من شأن التوكيد على مثل هذه الهوية القومية العربية أن يحفـِّز الأكراد إلى العمل على مشروعهم القومي الخاص بهم. ويحفـِّز التركمان إلى المطالبة بالعودة إلى حضن دولة مجاورة. كما أنه سيحرك دول الجوار على رسم مشروعات تقسيم للبلاد بدعاوى حماية المتماثلين قومياً معها مما يقوض أسس بناء الدولة ووحدتها. كما أنه، من الناحية المنطقية والقانونية، ليس من حق المطالبين بجعل العروبة أساساً للهوية أن يقصروا ذلك على قومية بعينها دون القوميات الأخرى في البلاد. بمعنى أن التوكيد على العروبة شرطاً أساسياً لتحديد ملامح الهوية سيؤدي لا محالة، وبصرف النظر عن نوايا القائلين بذلك، إلى تقسيم العراق عاجلاً أم آجلاً.
3. الهوية الوطنية العراقية: تركز أغلب الدراسات والبحوث التي أطلعنا عليها على البعدين الديني و/ أو القومي عند تناولها لمسألة الهوية وأزمتها. وتغفل كلياً عن البحث في إمكان تعريف الهوية استناداً إلى مقومات وطنية أو قطرية وذلك اعتقاداً منهم أن الإقرار بالخصائص الوطنية للهوية يتعارض أو يتنافى أو يلغي الخصائص الدينية أو القومية أو كلاهما معاً. ولكن ذلك اعتقاد لا يقوم على أسس حقيقية، وإنما هو مستمد من مخاوف من أن تكون الهوية الوطنية بديلاً أبدياً عن الهوية القومية العربية، أو أن يقعد ذلك الشعوب العربية عن السعي نحو الوحدة. والحقيقة الناصعة هي أننا أصبحنا، وبعد تجربة سياسية مريرة لأكثر من نصف قرن من الزمان، بعيدين عن حلم الوحدة بفضل أسباب كثيرو، ومنها أفعال وسياسات الأحزاب والحكومات التي نادت بالوحدة. تلك الأحزاب والحكومات التي رفضت أي بحث في إمكانية تعريف الهوية استناداً إلى الواقع الراهن معتبرة إياه نوعاً من الهرطقة كما حصل مع رفض الهوية الفرعونية في مصر والهوية الفينيقية في سوريا ولبنان. ونعتقد أنه، وبعد تجربة طويلة من الهزائم والاخفاقات، فإن من حقنا أن نشك في جدوى ذلك الإقصاء المبرم للبحث في تعريف الهوية الوطنية، فنسأل: هل كان تحقيق الهوية القومية في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأيرلندا.. إلخ، حائلاً دون تحقيق هوية أوسع هي الهوية الأوربية؟ وإذا كان الجواب بالسلب، فإن من حقنا أن نقرر بأن تحقيق الهوية الوطنية المرتبطة بكيان سياسي واجتماعي واقعي وقائم على الأرض شرط لا بد منه لتحقيق أية هوية أخرى أوسع منها. كما أن الخيار بين الهوية الشاملة ممثلة بالدين أو القومية والهوية الوطنية غير متاح الآن على نحو يجعل اختيار إحداهما نفياً ونقضاً للأخرى. والصحيح أن نقول أن الخيار الواقعي الوحيد الممكن هو خيار الهوية الوطنية لأنه يعبر عن حاجة ملحة يفرضها واقع التشتت والتناحر الحالي. وهو خيار لا يتعارض بالضرورة مع الخيارات الأخرى، بل يمكن أن يتكامل معها مستقبلاً. وفي الحالة العراقية، تتميز هذه الهوية بكونها تستند إلى وجود تاريخي موغل في القدم هو تاريخ بلاد ما بين النهرين. كما أن العراقيين كانوا مميزين في زمن الدولتين العباسية والأموية. إذ يشير كثير من المؤلفين العرب والمسلمين في كتب الأدب والرحلات والتاريخ العربية إلى العراقيين، وكذلك يفعلون بالنسبة لمصريين والشاميين، بوصفهم جماعة مميزة تقطن بلاد ما بين النهرين دون أن يتهم أحد القائلين بذلك على أنهم يسعون إلى نسف أسس الدولة الإسلامية القائمة آنذاك. وتستند الهوية العراقية أيضاً إلى التاريخ الحديث الذي بدأ مع تكوين الدولة العراقية في العام 1921م. وهو التاريخ الذي أستمر إلى الآن بالرغم من تفكك الدولة في العام 2003م وانهيارها الشامل نتيجة الغزو الأمريكي. ويجب أن تستوعب الهوية الوطنية العراقية، بحكم التعريف، كل ما يميزها عن الهويتين الدينية والقومية دون أن تتناقض معهما بالضرورة أو أن تلغي إمكانية التكامل مع ما يتحقق منهما فعلياً. كما يجب أن تكون الهوية الوطنية العراقية هي الوحيدة التي يجتمع العراقيون تحتها. أما الصفات الأخرى العرقية والدينية والمذهبية فهي ليست مما يرقى إلى مستوى الهوية الوطنية مطلقاً. أي أنها ليست هويات بديلة أو رديفة، ولكنها بالتأكيد من مقومات الهوية الوطنية العراقية. إنها خصوصيات تحظى بالاحترام وليس لها أن تكون على تناقض مع الهوية الوطنية العراقية مطلقاً. فإذا اتفقنا على أن أهم وظائف الهوية أن تحدد وتفرز وتميز على أسس واقعية وملموسة وليس في فراغ نظري مشتق من الرغبات والأمنيات، وإذا اتفقنا مع برهان غليون في أنه «لا تطرح مشكلة الهوية الحقيقية إلا داخل نظام موحد» (برهان غليون، نفسه: 309)، واختزلنا معنى النظام الموحد إلى ما هو محلي وعراقي تحديداً، وذلك لأسباب جوهرية يفرضها واقع العراق السكاني المعقد أصلاً وما يشهده الآن من اضطرابات وصراع يكاد يطيح بوحدة البلاد، فسيكون من المنطقي أن تتضمن الهوية الوطنية العراقية كذلك كل ما يميز العراقيين عن جيرانهم، سواء أكانوا من العرب أم من المسلمين. وأن تتضمن أيضاً كل ما يشكل أساساً راسخاً لوحدتهم من مقومات إيجابية يمكن أجمالها بالآتي : المقوم الأول هو مقوم النظام السياسي الموحد ضمن دولة واحدة وعلى أرض واحدة. وإذا كان القول بوجود النظام الموحد والدولة الواحدة يثير مسألة حساسة هي طبيعة نظام الحكم في الأرض الواحدة،. تلك الأرض التي تستمد وحدتها من وحدة الإرادة السياسية لمكونات الشعب العراقي كافة؛ ذلك أن وحدة الشعب على أسس موضوعية من أهمها الهوية الوطنية هي الضامن الوحيد لوحدة الأرض والدولة. على أن ذلك يدعونا إلى القول بأن المفاضلة بين أن يكون النظام السياسي في العراق الجديد مركزياً أو اتحادياً، على أهميتها، لا ينبغي أن تحول دون الأخذ بنظر الاعتبار ذلك التنوع الكبير في مكونات الشعب العراقية، وكذلك ذكريات الماضي القريب وما خلفته من مخاوف وشكوك. فهذه أمور قد تجعل اختيار النظام الاتحادي أمراً مرغوباً فيه شرط أن لا يكون ذلك تمهيداً لتقسيم وشيك للعراق. والمقوم الثاني هو الإقرار بالتنوع العرقي للشعب العراقي (عرب، كرد، تركمان، وأية أقليات أخرى). والمقوم الثالث هو الإقرار بالتنوع الديني والمذهبي(مسلمون، مسيحيون، إيزيديون، صابئة). وهنا سيكون التسامح القومي والديني سمة جوهرية من سمات الهوية العراقية حين لا يكون هناك مجال لأية نزعة استعلائية من أية جهة كانت إزاء المجموعات الأخرى. والمقوم الرابع هو الإقرار بالتنوع الثقافي واللغوي بما يخلق قاعدة أساسية من الشعور والممارسة لحرية تحقيق السمات الثقافية الخاصة بكل جماعة من المكونات دون تناقض مع سمات الآخرين الثقافية الخاصة. أما المقوم الخامس الذي يعد نتيجة لكل المقومات السابقة فهو الإقرار بالتنوع الفكري والسياسي الذي يسمح لكل الأفكار والآراء أن تزدهر بحرية ودونما وصاية أو منة من أحد. والشرط الوحيد لهذا المقوم الأخير هو أن لا ينطوي التنوع السياسي على أي تحريض، صراحة أو ضمناً، للاحتراب الداخلي أو ينسف أحد أسس الهوية الوطنية العراقية. وذلك استناداً إلى أن من أهم وظائف الهوية أن تحمي الكيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أية محاولة لتدميرها. وحتى لا يتناقض هذا المقوم مع حرية الرأي إذ قد يغلق الباب أمام أي اجتهاد أو تغيير مما قد يراه بعض المفكرين ضرورياً، ونظراً لأن الحرية تعني المسؤولية، فإن بالامكان أن يكون شرط التعبير عن أية آراء مناقضة لما ورد أعلاه هو أن يكون بصيغة دعوة سلمية ومن خلال المؤسسات الدستورية. وأن يوكل البت في أية تهمة من هذا القبيل إلى القضاء النزيه والمستقل.
وأخيراً يمكن أن نقرر، ونحن ندعو الآخرين من كل الجهات إلى مناقشة ما طرحناه هنا بروح الحوار الإيجابي البناء، أن خيار الهوية الوطنية العراقية هو الأكثر تعبيراً عن تاريخ العراق البعيد والقريب، وهو الخيار الأكثر إنسجاما ً بحقائق الواقع الاجتماعي والسياسي الراهن في العراق، كما أن من المأمول أن يكون هذا الخيار هو الأكثر ضماناً لمستقبل عراق موحد مزدهر يسوده السلم الأهلي، ويعيش فيه مواطنون عراقيون أحرار وأسوياء ومتساوون في الحقوق والواجبات. وهو عراق يفخر أبناؤه بالانتساب إليه ويفخر هو بهم. كما إنه خيار هوية ذات مضمون سياسي وطني سيغلق باب الدكتاتوريات إلى الأبد. ويحظى فيه من تعرضوا للظلم بالإنصاف والعدل، دون أن تسمح مثل هذه الهوية بخلق مظالم جديدة لأية جهة كانت.
وفي تقديري أن العراق المعافى وذا الهوية الحقيقية والبناءة التي أوضحنا مقوماتها في أعلاه سيكون عنصراً إيجابياً في أية جهود تبذلها دول الجوار أو المنطقة للتعاون الإقليمي السلمي البناء وغير الموجه لعزل هذه الدولة أو تلك. كل ذلك سيكون ممكناً عندما تنضج الظروف الموضوعية المناسبة وتتمكن هذه الدول كافة من الخروج من دائرة الكيد والتناحر السياسي الضيقة إلى فضاء التعاون والعمل السياسي الخلاق. وبذلك أيضاً لن تكون أرض العراق منطلقاً للعدوان على أي من دول الجوار.
ولكي يتحقق هذا الحلم النبيل، حلم الهوية الوطنية العراقية، فإن ذلك يتطلب حواراً معمقاً ومتواصلاً بين المثقفين والباحثين والساسة من أجل صوغ صورة شاملة لمفهوم الهوية الوطنية العراقية التي تحفظ للعراق وحدته وتفتح أمام أبنائه كافة سبل العمل الحقيقي المثمر. وفي مثل هذا المفهوم سيجد كل مكون من مكونات الشعب العراقي نفسه فيه دون إلغاء أو تهميش للآخرين. كما أن من شأن مثل هذا المفهوم أن يتحول، من خلال الممارسة، إلى نسق فكري شامل ومعبر عن أهم ما يتميز به العراقيون. ولعل من المناسب أيضاً أن ندعو إلى مشاركة فعالة لوسائل الإعلام ولمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والبحثية. كما ندعو إلى أن يكون هذا الموضوع على رأس أولويات أي جهد يبذل للمصالحة الوطنية. ذلك أنه حين يتوصل المتحاورون إلى اتفاق على أسس هذه الهوية، سيكون ذلك مقدمة أساسية تسهل عليهم أن يتوصلوا إلى صوغ أسس المصالحة الوطنية. كما إن على الأحزاب والمواطنين والمثـقفين والساسة وكل من لـه اهتمام بالشأن العام أن يتولوا عملية إغناء فكرة الهوية الوطنية العراقية بالبحث المعمق، وأن يتبنوا منهجاً واضحاً وعن قناعة ورغبة في دفاعهم عنها، وأن يعملوا على تجسيد إيمانهم بهوية العراق الوطنية في السر والعلن، ومن خلال الخطاب والممارسة معاً، وليس عبر الشعارات فقط.
أليس كذلك؟


