كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
إن نفي أي وجود موضوعي لقوانين تنتظم التطور الاجتماعي ذات بعد عالمي، كما يذهب إلى ذلك كثير من المفكرين وعلى رأسهم كارل بوبر في كتابه «بؤس الأيديولوجيا»، يؤدي بالنتيجة إلى التوكيد على وقائع التاريخ العينية وخصوصيتها في كل مجتمع على حدة واستبعاد أي احتمال لوجود إطار موضوعي عام وشامل للتجربة البشرية. وهذا هو الحد العلمي الوحيد الممكن في نظر هؤلاء. وهو إطار لا يرقى إلى مصاف القانون؛ لأنه ينطوي على نفي للتاريخ بتحويله إلى نوع من القصص المسلية من جهة، وعلى إقرار بالسوسيولوجيا الآنية أو الوصفية وتثبيت لها بوصفها الحقل المعرفي الوحيد الذي يمكن أن يقترب منهجياً من العلوم الطبيعية دون أن يضارعها في دقتها، من جهة أخرى. يدرك القائلون بهذا الرأي، وهم في الغالب من الوضعيين المنطقيين، أنهم ينزعون إلى التوكيد على نوع من تفرد التجربة الاجتماعية ونسبيتها، وإلى التركيز على الجوانب والمقومات المحددة والخاصة بكل مجتمع على حدة وذلك على حساب النظر الفلسفي الشامل للتجربة البشرية. وهؤلاء المفكرون والفلاسفة لا ينفون ذلك ولا يأنفون منه، بل يعتبرونه ميزة لهم لأنهم، كما يزعمون، أقرب إلى الواقعية وإلى الوصف الأمبريقي (التجريبي) وابعد عن التصورات الفلسفية ذات الجوهر الميتافيزيقي من سواهم.
أما الآراء الأخرى التي تؤكد على وجود مثل هذه القوانين، فإنها متنوعة المنابع الفكرية ومتعددة الاتجاهات، ولكنها تلتقي في مسألة توكيد وجود القوانين التي تنظم التجربة البشرية منذ الأزل وإلى الأبد. ومن الحق أن نؤكد بأن العنصر الميتافيزيقي ماثـل ضمنياً في كل قول بوجود قوانين يمكن استنباطها من تاريخ التطور البشري. ويستند هذا الزعم إلى نقطتين: النقطة الأولى هي أن التجربة البشرية لم تفرز مثل هذه القوانين المزعومة التي تفتقر للوجود الموضوعي. فالتجربة البشرية أعطت وتعطي إشارات متوافقة أحياناً، وهي بذلك قد تغري بالتعميمات الفلسفية أو القول بوجود قوانين، أو تعطي إشارات متضاربة تقضي على أية إمكانية لصوغ تعميمات فلسفية في أحيان أخرى. وهذه الإشارات، سواء أكانت متوافقة أم متضاربة، يمكن أن يقرأها الباحثون قراءات مختلفة ليتوصلوا، في نهاية المطاف، إلى نتائج شديدة الاختلاف. فضلاً عن أن هؤلاء الباحثين قد يردوا تلك القوانين إلى عوامل ميتافيزيقية أو مادية، وذلك بحسب وجهة نظر كل فريق منهم. بيد أن القول بالعوامل المادية لا يعني عدم وجود بعد ميتافيزيقي لدى من يأخذون به. لأن هذه المادية يمكن أن تؤول ميتافيزيقيا لذلك يمكن القول إن مثل هذه «القوانين» لا تمثل إلا جزءاً تكوينياً من بنية فكرية ميتافيزيقية في عقول القائلين بها. والنقطة الثانية هي أنه حتى لو افترضنا جدلاً وجود مثل هذه القوانين فإن ذلك يستلزم ضرورة الإقرار بوجود عقل متعال وكلي ومطلق وشامل هو من أوجد هذه القوانين وقام بفرضها. وهذا الرأي قد يوحي بأصداء فلسفية تتردد من فكرة الروح الكلي والمطلق الذي قالت به الميتافيزيقا الهيجلية، كما أنه يمثل عودة إلى الفكر الديني في شتى تجلياته، وبخاصة نظرية الاستخلاف الإلهي والقول بالمخلص. وهو ما سيجمع في الأقل بين الاتجاهات الدينية والاتجاهات الماركسية على صعيد القول بغائية التاريخ المقررة سلفاً. ومن هنا فهذا الاعتقاد ينطوي ضمنياً على موقف الانتساب الصميمي إلى شبكة التصورات الميتافيزيقية بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
ولعل القارئ الكريم قد لاحظ أن المحور الأساس للمسالة الفلسفية الخاصة بطبيعة الحتمية المفترضة في التجربة البشرية هو وجود «القوانين «الشاملة التي تسمح لنا، حسبما يزعمون، بالقول إن السياق المستقبلي للتطور الاجتماعي سيتخذ هذه الشاكلة لا تلك، وسيكون على هذا النحو لا ذاك. وقد يصل الأمر إلى حد الزعم بإمكانية «تخطيط» مثل هذا التطور أو التأثير على سياقه المستقبلي للتعجيل بوتائره. فليس المهم تفسير العالم، بل المهم تغييره، كما يقول ماركس. وهذا يعني أنه بوجود جملة معطيات مستمدة من الواقع الاجتماعي الراهن، وباستعمال منظومة مقولات تفسيرية مستمدة من التجربة البشرية، وهي المنظومة التي تعزى لها صفة القوانين، يمكننا أن نتـنبأ بما سيحدث مستقبلاً دون احتمال لأن تنقض الوقائع الفعلية اللاحقة ما قررناه من تنبؤات. وهكذا يمكننا أن نؤثر في سياق الأحداث اللاحقة استناداً إلى فعل قوى اجتماعية بعينها. وهذا يظهر مدى التعقيد الذي يكتنف مثل هذه القضية. ولا نزعم أن بمقدورنا حسم هذه المسألة الشائكة، ولكننا سنحاول الإسهام بمناقشة أحد جوانبها المهمة، أعني احتمال وجود قوانين للتطور الاجتماعي. ولا شك أن هذا المسألة تستدعي حصر معنى مصطلح القانون في الكتابات التاريخية؛ وكذلك تفرض أن نبدأ بالفحص المعرفي لمفهوم القانون المستعمل هنا بصيغة الجمع لأنه يمثل الركن الأساس في مثل هذه المناظرات. ومن أجل تحديد المعنى الذي يقصده كل من الفريقين من استعمالهما لهذا المصطلح. فما هو المفهوم العام لمصطلح القانون؟ وهل يعني مصطلح القانون الشيء ذاته لدى الفريقين، أم أن معناه يختلف من فريق إلى آخر؟ وما الذي يمكن استنتاجه في كل حالة؟ وهل يجوز، منهجياً ومعرفياً، أن نستعمل مصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية؟
2. في إشكالية مصطلح القانون
يكشف استعمال مصطلح القانون في مختلف العلوم وحقول المعرفة عن تنوع دلالي غزير. فهو يستعمل بمعان مختلفة في العلوم الطبيعية مثل الفيزياء، والعلوم الرياضية مثل المثلثات، وعلوم الحياة مثل الوراثة، والعلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والقانون والتاريخ. ونلاحظ أن استعمال المصطلح يضفي وجاهة على كثير من الأفكار والاستنتاجات في مثل هذه العلوم. ولكن استعماله في حقل معرفي ما قد يكون بمعنى أو معان تتفق في دلالاتها الاصطلاحية حيناً فتنتج بعداً مفهومياً موحداً وقابلاً للتوصيف المعرفي. وقد تختلف دلالات المصطلح فتؤدي إلى الإرباك والتشويش في أحيان أخرى نظراً لافتقار مثل هذا الاستعمال إلى الدقة والموضوعية. وهذا الاختلاف والتباين يمكن أن يدرس استناداً إلى القواعد العلمية المقررة في كل علم أو حقل معرفي على حدة؛ على أن يمتحن ويمحص هذا الاختلاف في معنى المصطلح، في النهاية، استنادا إلى معطيات فلسفة العلم نفسها. وإذا كان الأمر على ما وضحنا فإنه سيجعل من التعرف على حدود التشابه والاختلاف في الدلالة الاصطلاحية لكلمة «قانون» ضرورة مهمة للغاية لتحديد المهاد المفهومي أو المعنى الدقيق للمصطلح في كل علم مما ذكرنا سابقاً. وهو ما سيؤدي بنا لاحقاً إلى فحص وتقرير الفروق الدقيقة في معنى مصطلح القانون بين الفرقاء الفكريين في حقل التاريخ نفسه. ومن ثم يمكننا أن نبني استنتاجاً حول طبيعة القوانين في هذا الحقل. وهذا الاستنتاج يمثل أساساً لفرضية معرفية تسوغ لنا قبول أو رفض فكرة وجود القوانين المنظمة لتطور المجتمع البشري، أعني فكرة وجود منطق حتمي للتاريخ.
3. 1. مصطلح القانون في بعض العلوم الصرفة
في علم الفيزياء يستعمل مصطلح القانون للوصف الموضوعي المطلق في موضوعيته الذي يقرر، وعلى نحو شامل، السلوك الحتمي لظاهرة ما ضمن شروط التجربة ذاتها في الماضي والحاضر والمستقبل وفي أي مكان على وجه الأرض. ويمكن التثبت من صحة القانون العلمي من خلال إعادة التجربة لأي عدد من المرات، وفي أي مكان، وباستعمال أجهزة القياس والتسجيل. كما أن الباحث أو العالم الذي يكتشف القانون العلمي ويصوغه لا يمثل عنصراً داخلياً من عناصر الظاهرة موضوع البحث. ويكون القانون العلمي كلياً وشاملاً، إذ لا يوجد قانونان متعارضان بصدد الظاهرة نفسها كما تخبرنا فلسفة العلم. فإذا ما زعم أحدهم وجود مثل هذين القانونين بخصوص ظاهرة ما فإننا نملك من الوسائل ما يمكننا من حسم الأمر بشأن صحة أحدهما وبطلان الآخر. ففي الفيزياء التقليدية كانت هناك قوانين الحركة قانون التي صاغها الفيزيائي اسحق نيوتن (1643- 1727 م). فهذه القوانين، وخصوصاً فيما يتعلق بظاهرة التجاذب بين أية كتلتين في الكون، تصف وتقنن، على وفق ما شرحنا، هذه الظاهرة في الماضي والحاضر والمستقبل دونما أي احتمال لحدوث أي نسبة من الشذوذ عن منطق هذا الجزء من القوانين. وحين تطورت علوم الفيزياء الحديثة على أيدي كبار الفيزيائيين، ومنهم آينشتاين (1879-1955) الذي قدمت نظريته النسبية العامة فهما جديداً للظواهر نفسها التي وصفتها وفسرتها قوانين نيوتن في الحركة، لم يؤد ذلك إلى نقض تلك القوانين بل جرى تحديد نطاق اشتغالها. وقل مثل ذلك عن طبيعة الضوء وهل هي موجية كما ذهبت إلى ذلك الفيزياء التقليدية أم جسيمية كما تؤكد فيزياء الكم. فقد أظهرت بعض خصائص الضوء ما يؤكد الرأي الأول في حين أكدت بعض خصائصه الأخرى صحة الرأي الثاني، فتكامل الرأيان ولم يتنافيا. وفضلاً عن ذلك يمكن أن نضيف بأن هذا القانون هو صيغة «عقلية» مشتقة من المشاهدة للظاهرة الطبيعية الموجودة سلفاً في تكرارها السرمدي منذ الأزل وإلى الأبد. لذلك فهو كشف عقلي مبدع لما هو موجود فعلاً. وفي العلوم الرياضية يختلف امهاد الاشتغال المفهومي للقانون لأنه هنا ليس مشتقاً من مشاهدة حسية لأية ظاهرة طبيعية خارجية وإنما هو يقرر سلوك ظاهرة هي في الأصل عقلية لأن الرياضيات، من حيث الجوهر، من العلوم العقلية. وفي حقل علوم الحياة، تمثل قوانين مندل (1822- 1882) صياغات عقلية مشتقة من ملاحظة ظاهرة موضوعية هي انتقال الصفات الوراثية الغالبة والمتنحية من الخلف إلى السلف واحتمالاتها على شكل معادلات رياضية بسيطة. والمدهش أن صوغ تلك القوانين قد تم قبل التوصل إلى اكتشاف الكروموسوم والمورثات الجينية بزمن طويل. بمعنى أن التطور اللاحق في علم الوراثة لم يفند هذه القوانين وإنما عززها.


