كتاب " الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة " ، تأليف سيجموند فرويد وترجمة عبد المنعم الحفنى ، والذي صدر عن
You are here
قراءة كتاب الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ويلفت نظري في تاريخ الإيديولوجيتين مسائل تلحان في طرحها، فالفلسفتان من الفلسفات المادية، ومن إبداع العقلية اليهودية، والتشابه بينهما حقيقي، ويتعدّى التشابه في الأفكار إلى تشابه في المصطلحات، وكلاهما اتجه اتجاهاً «دوجماطيقياً» جزمياً، و«شمولياً» نرجسياً، و«استلابياً» عدوانياً، بمعنى أنهما لا تطيقان أن يخرج أتباعهما على نصوصهما، وحدث أن اتّهم ماركس ولينين وستالين وتروتسكي الكثيرين بالمروق عن خطه الفلسفي، فحكم عليهم بالفصل من الدولية العمالية، وهى تجمع الاشراكيين أو الشيوعيين في العالم؛ وحدث نفس الشيء مع فرويد، فاتّهم عدداً من حوارييه بالخروج عليه، وكاد اتّهامه يرقى إلى مستوى التكفير، وأخرج الكثيرين منهم من دولية التحليل النفسي، وهى تجمع المحللين النفسيين في العالم.
ويلفت النظر أنّ القائمين على حركة التحليل النفسي كلهم من اليهود، ولا يسعني إلا أن أتساءل: لماذا؟ وأدّعى أحياناً بأني أعرف الجواب، وأزعم أن كل ما أعلمه: أن العقلية اليهودية تتباهى بأن التحليل النفسي من إبداعها، كتباهي أعضاء الأحزاب الشيوعية والاشتراكية بأنهم من اليهود أو من المتهوّدين، ولكني لا أعثر على تباه مماثل إزاء الليبرالية أو العَلمانية، مع أنهما إيديولوﭽيتان يهوديتان دون أن تصرحا بذلك، وإن كنا نلحظ أيضاً أن المنظّرين لهما بالأمس واليوم، معظمهم من اليهود، حتى فلاسفتهما الحاليون في العالم الرأسمالي أو الشيوعي أو الاشتراكي، وأثارت هذه الظاهرة رؤساء الأحزاب الليبرالية والعَلمانية، مثلما أثارت من قبل زعماء ماركسيين أمثال لينين، حتى أن ستالين أدهشه أن يجد أن من أعضاء المكتب السياسي الإثنى عشر الشيوعي السوﭭييتي، تسعة أعضاء يهوداً، وكانت تلك ظاهرة ملفتة للنظر، مثلما هى ملفته للنظر حالياً.
ولسوف نرى فرويد يقيم فلسفته في الحياة على مقولتين أو دعامتين، ويجعل على عرش العالم إلهين، يسمِّى أحدهما إيروس Eros، وهو إله الطاقة التي تنفخ في العالم الحياة وتحفظها عليه، وتجمع بين الناس وتربط بينهم برباط الحب، فتتكون الأُسر فالمجتمعات الكبيرة والإنسانية بعامتها، والآخر يسميه: أنانكيه Ananke إله الضرورة التي تشّد الناس إلى العمل، فيكون الاجتماع والتعاون والبناء والإنتاج والإمتلاك.
ولسوف نلحظ أن أنانكيه هذا هو إله ماركس، وهو الضرورة أو الدوافع الاقتصادية التي قال بها، والتي تفعل فعلها في الإنتاج الفكري والفني والخُلقي للإنسان.
وقد يصوغ فرويد نظريته بطريقة أخرى فيطلق على إيروس: مبدأ اللذة، وعلى أنانكيه مبدأ الواقع، ويقول إنهما مبدءان يحكمان الإنسان من قديم الزمان، وسوف يحكمانه إلى ما شاء الله. ويتحكّم مبدأ اللذة في تصرفات الطفل بالإقبال على كل ما يمنح اللذة، والإدبار عما يكون مردوده الألم، وبطريقة أخرى ينشد الإنسان الذي لم تُصقله التجارب، ولم يتعلم حكمة الوجود، ينشد في تصرفاته الإشباع المباشر، من غير أن يشغل نفسه بظروف الزمان والمكان. لكن العالَم من حوله لا يتيح له هذا الإشباع المباشر المطلق، فيضطر أن يتعلّم أن يؤجل هذا الإشباع حتى تواتيه الظروف، ويتعلم أن يخضع للواقع أو لمبدأ الواقع، ويتعامل مع العالم بإمكاناته المتاحة.
ويقرّ فرويد للماركسية بقوة التأثير، لكنه لا يسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الإنسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لا تسلك الجماعات الإنسانية المختلفة سلوكاً واحداً. وإذن فالغلبة لا يمكن أن تُعَقد إلا العوامل النفسية، تلك العوامل التي تحدد مسار الظروف الاقتصادية والسلوك الإنساني، لأن الإنسان حتى وهو يتصرّف بضغط من الظروف الاقتصادية إنما يمتثل لنزعاته الغريزية فيحافظ على حياته ويميل إلى العدوان ويريد الحبّ، وينشد اللذة، ويتحاشى الألم، ويحقق لنفسه كل ذلك وأكثر منه ضمن إطار عام يسميه فرويد: التطوّر الثقافي حيناً، والحضارة أحياناً.
وللتطوّر منطقه وحتميته، وهو يحمل الإنسان على الانحراف بغرائزه عن أهدافها الأصلية، وبوجهها وجهات لاشك أن الظروف الاقتصادية تدفع إليها، لكنها على أي الأحوال وجهات تتفاوت بتفاوت التكوين العام للأفراد والشعوب، وبتفاوت تأثيرات الثقافة والظروف المادية عليهم جميعاً.


