You are here

قراءة كتاب الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة

الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة

كتاب " الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة " ، تأليف سيجموند فرويد  وترجمة عبد المنعم الحفنى ، والذي صدر عن

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 5

نحن ننجرف إلى دوّامة الحرب، وما يبلغنا من معلومات يأتينا من طرف واحد، وليس بوسعنا، ونحن نعيش على شفا الحرب، أن نتبين حقيقة التغيّرات الضخمة التي جرت وتجري، وما من بصيص يدل على المستقبل الوافد، ونحن عاجزون عن إدراك مغزى ما نزخر به من أحاسيس، ولا ندري قيمة ما يصدر عنا من أحكام، ونحن مدفوعون إلى الاعتقاد بأن الحرب كانت أبداً أعتى الأحداث وأوسعها تدميراً لكل ما له قيمة إنسانية. ولم يحدث أن ضلل شيء أذكَى العقول، ولا سفّه شيء أسمى ما عرفه الإنسان، بقدر ما تفعل الحرب. وحتى العلم يفقد حياده، ويتوسل به علماؤه لاختراع أسلحة تُلحق الهزيمة بالأعداء. وفي التهيئة للحرب اندفع علماء الأنثروبولوجيا إلى إعلان انحطاط أصول الخصوم، وادّعى علماء النفس أن العدو مصاب في عقله قد اعتلت منه الروح. ونحن يقيناً نبالغ في تقدير كل هذه الشرور المتبدية، ولا يحق لنا أن نقارنها بشرور العصور التي سبقتنا لأننا لم نكن في تلك العصور، ولم نجربها ونعاني منها.

ولأننا لسنا أنفسنا ضمن القوات المتحاربة، ولسنا تروساً ضمن آلة الحرب الضخمة، فإننا أقدر على إدراك التغرير الذي حاق بنا، والتضليل الذي أحاطونا به، ونحن ندرك أنهم يحجرون علينا وعلى نشاطاتنا زمن الحرب، ولا أظن إلا أننا لذلك نرحب بأي جهد، مهما كان ضئيلاً، يتيح الفرصة لما قد أصاب قدراتنا من عى. وإني لأميز عاملين من أبرز العوامل وأشدّها إفصاحاً عن الأزمة التي تعتور المشاركين في الحرب بشكل مباشر، وأحسب أن إنكارهما شيء صعب، ولا أجد من السهل مناقشتهما هنا. العامل الأول هو التحرر الذي تستحدثه الحرب من الأوهام؛ والثاني موقفنا الذي قد تغير من الموت، والذي فرضته علينا هذه الحرب، شأنها كشأن أي حرب أخرى.

وعندما أتحدّث عن التحرر الذي تستحدثه الحرب من الأوهام، أدرك أن كل إنسان يعرف فوراً ما أعنيه، فلا لزوم أن نكون عاطفيين، وقد يكون الواحد منا على وعى بضرورة الحرب، ضرورتها البيولوجية والسيكولوجية في اقتصاديات الحياة البشرية، ومع ذلك يظل يلعن الحرب، سواء فيما تستخدمه من وسائل أو تتذرع به من أهداف، ويتمنى بإخلاص أن تنتهي كل الحروب. والواقع أننا أقنعنا أنفسنا أن الحروب لا يمكن أن تتوقف طالما أن الشعوب تعيش في ظروف متباينة أشدّ التباين، وطالما أن حياة الأفراد لها وزنها المختلف في كل أمة، وطالما أن الأخطار التي تباعد بين الأمم ليست إلا انعكاساً للطبائع المتمكنة في العقول. ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن الحروب كانت دائماً بين شعوب بدائية وأخرى متحضّرة، وأنها تندلع أبداً بين عصبيات متخلّفة، وأنها قامت بين جنسيات دالت حضاراتها، وأنها ستستمر شغل البشرية الشاغل لوقت طويل. لكني مع ذلك متفائل، فلقد كنا نتوقع من الدول الكبرى من الشعوب البيضاء(1)، التي آلت إليها زعامة الأجناس البشرية، والمعروفة باهتماماتها العالمية، والتي بفضل قواها الإبداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة، ويعود ما أحرزناه من مكاسب علمية وإنجازات فنية. ومن شعوب كهذه كنا منوقع أن يكون النجاح نصيبها في اكتشاف طريقة أخرى لتسوية الصراعات على المصالح وفض سوء التفاهم. ونحن نعلم أن للفرد في هذه الشعوب مستويات عليا من العرف الجاري لابد أن يجرى سلوكه في إطارها إذا رغب أن يكون نصيبه منها ما تقدمه هذه المجتمعات من امتيازات لصاحب السلوك الحميد. وكثيراً ما يكون العرف الاجتماعي زاجراً ، يطالب الفرد بالكثير من ضبط النفس والتعفف عن الإشباع الغريزي، ويحظر عليه بشكل خاص أن يفيد مما تتيحه ممارسة الكذب والاحتيال من فرص هائلة تعرض له خلال عمليات التنافس التي تجري بينه وبين غيره من الأفراد. وتعد الدولة المتحضّرة هذه المعايير المقبولة الأساس الذي يقوم عليه وجودها، وتفرض العقوبات الصارمة على كل من تسّول له نفسه العبث بها، وكثيراً ما نرفض حتى مجرد مناقشتها، ولذلك الأولى أن تكون الدولة هى البادئة باحترام هذه المعايير، ولا يعقل أن تتجه إلى الاعتداء على ما أقرت أنه أساس وجودها. ولكن الحرب اندلعت، وباندلاعها تبددت الأوهام. وكانت حرباً ضروساً تسفك وتدمر أكثر من أية حرب أخرى من الحروب الخوالي، بسبب التطور الهائل الذي استحدث في أسلحة الهجوم والدفاع، ولكنها كانت كغيرها من الحروب، مريرة وعنيفة وحقودة وعنيدة، قوضت كل المواثيق المعروفة باسم القانون الدولي، التي التزمت بمراعاتها كل الدول في زمن السلم، وتجاهلت ما للجرحى والخدمات الطبية من حقوق، ولم تميز بين عسكريين ومدنيين، ولم تراع حقوق الملكية، وداست في سورة عمياء على كل ما صادفها كما لو أن الإنسانية بعدها لن تقوم لها قائمة ولن يكون بين البشر صفاء، وهتكت كل الأواصر ومزقت كل الروابط بين الشعوب المتناحرة، وتهدد بأن تخلف وراءها ميراثاً من الحقد والمرارة يجعل من المستحيل لزمن طويل تجديد هذه الروابط وبعثها.

Pages