كتاب " الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة " ، تأليف سيجموند فرويد وترجمة عبد المنعم الحفنى ، والذي صدر عن
You are here
قراءة كتاب الحب والحرب والموت والثقافة والحضارة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ولسوف نجد أن فرويد في طرحه لهذه القضايا وغيرها لا يطرحها كفروض علمية، ولا يكون منها في مواقف العلماء، لكنه يطرحها كتأملات. وهو أقرب في منهجه إلى أصحاب الرؤى، بل هو يتنبأ بنبوءات ويتنبأ ماركس بنبوءات، ويلفت نظرنا التشابه مرة أخرى، ونتذكر فوراً أنهما يهوديان، وأن خلفيتهما الثقافية أو تراثهما - واحد وهو التوراة، وكأنما «رأس المال» لماركس و«تفسير الأحلام» لفرويد سِفْران آخران ينضافان إلى أسفار التوراة التسعة والثلاثين، وكارل ماركس وفرويد متنبئان يندرجان ضمن قائمة متنبئى بني إسرائيل الأربعة والعشرين، وحينئذ قد يكون هناك جواب على السؤال الذي طرحناه في أول الكلام: لماذا هذا التجمع اليهودي حول الماركسية واليهودية؟ ألا يفسّر هذا التراث ذلك التجمع؟ وألا تكون الماركسية واليهودية نسختين عصريتين للتوراة؟ وألا يكون هذا التراث هو الأرض المشتركة التي عليها يجتمع كل اليهود؟ لكن ماذا يشدّهم فيه؟ أنه تراثهم وماضيهم وإسهامهم الحضاري، ولأنه إسهامٌ مادي فهو يبشر بالمادية، ولا أعتقد أن قاريء التوراة أو التالمود يمكن أن يخرج بانطباع آخر سوى أنهما كتابان في المادية. وتخلو التوراة والتالمود تماماً من أي حديث عن الروح، أو الحياة الأخرى، أو الحساب، ويقصران فلسفتهما على التعامل مع الواقع وتنظيمه، لكن ماديتهما مادية نفسية وتاريخية واقتصادية ممتزجة مع بعضها امتزاج العناصر في نسيج الخلية، لكن ماركس ينفرد بالمادية التاريخية الاقتصادية ويبرزها، ويختص فرويد نفسه بالمادية النفسية، ومن ثم يبشّران اليهود، ويقدمان نسخاً عصرية للمادية اليهودية التي هى الرؤية الحضارية لليهود، وأسلوبهم في الحياة (بلغة فروم وأدلر). وربما يكون هذا التفسير هو إجابتي على ما سبق أن أبديت من تساؤل وما لفت نظري، لكنك قد تسألني: لماذا هذا الجواب؟ فأقول: إن ماركس قد نبّهني إليه في مقاله «المسألة اليهودية» الذي طرح فيه تصوّره لاضطهاد اليهود، ولم تكن مسألة اضطهاد اليهود تطرح نفسها بشكل حاد حتى ينبري ماركس للتصدّي لها، ومناقشتها، وتقديم الحلول لها، لكنه كان يحسّها بشكل حاد. وفارق بين أن توجد المشكلة بشكل موضوعي يفرضها اجتماعياً، وبين الوعي بها كمشكلة ذاتية وعياً له أسبابه السيكولوجية، وما كان من الممكن أن يكتب ماركس نحواً من مائتي صفحة، ويستشهد بنحو خمسين مرجعاً، لو لم تكن المسألة اليهودية تلح عليه وتشغل من وقته وفكره الشيء الكثير، وبمعنى آخر: أنها مسألة قومية تخصّه كيهودي، وهو يريد أن لا يجعلها قومية، ومن ثم يخلعها من خاصيتها القومية. وطالما أنها مسألة من مسائل الاقتصاد، وتعنى أن "اليهودية هى الملكية"، فإن إلغاء الملكية يفرغ اليهودية من مضمونها ويلغيها كمشكلة، ولكنه في مقابل حلّها بتجريد اليهود من ملكياتهم، يجرّد المجتمع كله من الملكية، فالملكية سبب انحراف اليهودي، وليس فقط اليهودي ولكنها سبب انحراف كل الناس. لكن نبوءة ماركس تخيب كما خابت نبوءات أخرى، فلقد جرد المجتمع السوفيتي اليهودي وغيره من الملكية، لكن المسألة اليهودية ما تزال. وإذن فكما يقول فرويد: إن العوامل النفسية هى التي لها الغلبة، وفرويد يبحث عنها في التراث. وإذا نحن أردنا أن نفهم اليهودي فلنحاول أن نقرأ تراثه، فمفتاح اليهودية كله في التراث، وفرويد يكشف هنا عن يهوديته، لأنه هنا لا يتناول تراث الإنسانية كلها، وهيهات له أن يفعل، لكنه يقرأ التراث اليهودي ويجعله تراثاً لكل الإنسانية، وكأنه يجعل أصل الحضارة "التراث اليهودي"، أو يجعل لها "أصلاً يهويداً". ويقدّم عالم الأنثروبولوجيا مالينوفسكي تفسيراً لأصل الحضارة، باعتبارها حصيلة الشعور بالذنب نتيجة عدوان الأبناء على الأب الأول، ويقبله فرويد لكنه يجعل أصل الحضارة الأوروبية الشعور بالذنب نتيجة قتل الأب ويجعله هنا النبي موسى، وفرويد يؤمن بأن اليهود – كما يأتي في التوراة – قتله اليهود في صحراء مواب، ومن ثم يصبحون بلا أب، ويتحول مجتمعهم مجتمعاً أخوياً، ولكنهم في هذه المرة أيضاً ثم يقتلون "أخاهم"، ويقصد به هنا المسيح، ومن ثم يتأكد الشعور بالذنب مرة أخرى كأصل لهذه الحضارة، وهذا هو السبب الذي يجعل فرويد ومن يحذون حذوه يذهبون إلى القول: بأن الحضارة والثقافة والأخلاق الأوروبية يهودية مسيحية الأصل.
ويلفت ذلك نظرنا، وليس فرويد مُنزّلاً أو مُنزّهاً حتى نصّدِقه، وإني لأُعجب بمنهجه كل الإعجاب، فهو يفترض الفروض وينبذ بعضها ويتبنى بعضها ويسايرها حتى النهاية، برؤية واضحة وهدف محدد، يسهب في التعبير، ويستدرك، ويستطرد، ويلف ويدور، وينتهي إلى النهاية التي يريدها بأستاذية لاشك فيها، وإني لأحبّ لو أتعلم منه، وياليت يكون من مفكرينا من يقفو على أثره ويخدم قضايانا القومية والثقافية بمثل ما يخدم فرويد قضايا قومه. وليست هذه المقدمة نقداً، وليس فيها ما يشبه النقد، ولكنها ملحوظات كتبتها كهوامش لعل فيها بعض الفائدة.
عبد المنعم الحفني


