كتاب " نشوز المرأة اليهودية " ، تأليف هدير الصافورى ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب نشوز المرأة اليهودية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ولم تتناول شرائع الشرق الأدنى القديم حالة العثور على جثة قتيل، دون التعرف على القاتل، وهو الأمر الذى قد يشير إما إلى عدم تعرض شعوب الشرق الأدنى القديم لمثل هذا الموقف مما يدل على استتباب الأمن والأمان، وإما إجراء لم يُتخذ فى حالة العثور على قتيل دون معرفة قاتله، وهو أمر مستبعد، نظراً إلى اشتمال قوانين الشرق الأدنى القديم على تشريعات مدنية وجنائية، تعالج مختلف أنواع الجرائم والجُنح الممكن حدوثها.
وقد اعتبرت الديانة اليهودية أن الدم المسفوك يدنس الأرض([65])، فالرب (يهوه) يطالب بالاقتصاص من القاتل([66]). ولا يوجد تكفير للدم المسفوك إلا بإهدار دم القاتل، فإذا تعذر تحقيق هذا بسبب عدم معرفة القاتل، لزم تطبيق شريعة العِجلة مدقوقة العنق.
أولاً: إجراءات شريعة العِجلة مدقوقة العنق فى المشنا :
( أ ) يبدأ تطبيق شريعة العِجلة مدقوقة العنق، عند العثور على جثة قتيل، فيخرج قضاة دار القضاء العالية بالقدس (سنهدرين)، ليقيسوا المسافة ما بين جثة القتيل وأقرب المدن إليه، لتحديد أية مدينة تقع عليها مسؤولية إراقة الدم.
ولم يرد فى العهد القديم عدد القضاة الواجب خروجهم لقياس المسافة بين القتيل وأقرب مدينة، الأمر الذى أدّى إلى اختلاف آراء العلماء فى تحديد هذا العدد([67])، ما بين ثلاثة قضاة أو خمسة. وقد اعتمد الرِّبى يهودا على التفسير اللغوى لنص العهد القديم لترجيح رأيه (القائل بخروج خمسة قضاة) وإن اتفقت الآراء على أن يكون عدد من يقيسون فردياً وذلك لحسم الأمر. ويبدو أن مشرع المشنا قصد بتحديد العدد مجرد اقتراح الحد الأدنى لعدد قضاة دار القضاء العالية بالقدس الذين يخرجون للقياس.
(ب) ثم يبدأ دور شيوخ المدينة الأقرب إلى جثة القتيل، فهم المسؤولون عن إراقة الدم، بدق عنق العِجلة([68])، والتى يجب ألا يقل عمرها عن عام ولا يزيد عن عامين، وفقاً للشريعة "عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تُجر بنيْر"، ولا يشترط خلوها من العيوب([69]).
(جـ) ثم يؤتى بالعِجلة إلى وادى وعر، ويُقصد بكلمة "نَحَل" فى العهد القديم: قناة أو وادى أو مجرى مائى تجرى فيه المياه إما طوال العام، أو فى مواسم الأمطار فقط، وتعبر هذه الكلمة مجازاً عن الوفرة والكثرة، ورد التركيب "نَحَل إتان" مرتين فى العهد القديم بمعنى: مجرى مائى ضفافه مرتفعة وعالية يوجد فى قاعه أحجار وصخور (التثنية21/4) "وادى دائم السيلان"، أو مجرى مائى تجرى مياهه طوال العام (عاموس 5/24) "كنهر دائم". ويبدو أن مشرع المشنا أراد أن يوضح أن المقصود وجود صخور فى قاع الوادى لذا فسّر كلمة "إتان" بمعنى (وعِر"قَاشيه").
وقد حدد مشرع المشنا الأداة المستعملة فى دق عنق العِجلة، وهى الساطور، بينما لم يرد فى العهد القديم أية إشارة إلى الأداة المستعملة عند تطبيق الشريعة.
( د ) وقد حرّم مشرع المشنا الزراعة أو القيام بأى عمل فى مكان دق عنق العِجلة([70])، بينما ورد هذا التحريم فى العهد القديم كشرط من شروط اختيار المكان الذى يُدق فيه عنق العجلة([71]). فالشريعة اليهودية تحرم الدم؛ لذلك إذا سُفك دم على هذه الأرض واختلط بترابها، ويتغذى النبات المزروع من هذا الدم، يحرم الأكل من هذا الزرع؛ لذلك جاء تحريم المشنا الزراعة فى مكان دق عنق العجلة تحريماً منطقياً.
وقد أضاف مشرع المشنا ما يحل القيام به من أعمال فى الوادى الذى تُطبق فيه شريعة العِجلة مدقوقة العنق، وهى: غزل الكتان، واقتلاع الأحجار، من الملاحظ أنها أمور يمكن القيام بها دون الاستفادة بدم العِجلة بأى شكل من الأشكال.
( ھ ) ثم يقوم شيوخ المدينة بغسل أيديهم بالماء فى مكان دق عنق العجلة، وذلك لكى يتبرؤوا من الذنب، معلنين براءتهم من دم هذا القتيل (التثنية 21/7) "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر"، ويتم التبرؤ هنا من أمرين، الأول هو القتل المباشر للقتيل، أما الثانى فقد يكون المقصود من "وأعيننا لم تبصر" عدم معرفتهم القاتل وعدم التستر عليه، أو التبرؤ من التهاون فى منع هذا الجرم من الوقوع.


