كتاب " وادي الصفصافة " ، تأليف أحمد الطراونة ، والذي صدر عن دار الآن ناشرون وموزعون .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب وادي الصفصافة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

وادي الصفصافة
أسرَّت له أمه وهي تمسك بيده، وتغرس عينيها فيما تناثر من شعر على كتفي تلك المرأة الصفراء: أنّ الدمعة الأولى كانت حزناً على «العود»([1]) الذي فارق الحياة وهو في الغياب، والثانية كانت فرحاً بعودته وخوفاً عليه..
ثم أردفت وهي تستند إلى العصا وتنعم النظر في وجهه:
«آه يا وليدي البكاء يبلل عروق القلب مثل ما تبلل المزنة الرّهيّة عروق الشجر اليابسة».
* * *
اجتمع أهل القرية فرحاً بقدوم أحمد، يسمرون ويتقاسمون أدوار الولائم ابتهاجاً به، وتكريماً لوالده الذي ما تزال ذكراه الطيبة تطوف على المكان.
عيناه تجوسان وجوه الناس، وكأنه يفتش عن بعض ملامح أهله وأقاربه، لكنه عبثاً يحاول.
صوت: «كان والدك (رحمة الله عليه) يتمنى يشوفك طبيب».
صوت: «اللي عقّب ما مات، ويا ليت الموت في أدينا، لكن هاذي سنّة الله في خلقه، واحنا كلنا أهلك، لا تحمل همّ».
لم تكن تلك الأصوات لتحلّ محلّ صوت أبيه، تركهم يتناقلون الحديث، وأصواتهم كأنها رجع صدى في واد سحيق يتلاشى شيئاً فشيئاً..
يجرّه الحزن ليعانق والدته مرة أخرى.. وأخرى. يحاول أن يشمّ رائحة والده الذي غاب في تفاصيل وجه أمه الطاعن في الفراق، يُصّـر عليها أن يخبرها بما فعلته به الغربة، لكنها تخطف الحزن من فمه لتنقل له ألم أبيه الذي فارق الحياة وهو يردِّد اسمه...
- آه يا وليدي، إن كان للشقا إعْيال، أبوك واحد منهم، كنت إزغيّره([2]) يوم كان عمك محمد يصبّ الوجع في أذني مع كل مساء، كان ودّه إيخليني أصير مَرَهْ صبورة على قوله، كان في كل مرّة يحكي لي قصة جدّتك خضرا، كان يعتبرها سيدة الصبر، وقلبها موقد للألم..
قال لي: «أنا شفتها «سنة الهّيه»([3])، كانت تحمل بطنها على ظهرها، كانت تركض وسط الناس وهي «فارعة دارعة»([4])، كانت بتفتش عن جدك حسن وسط المساجين، ومن ما لحظته في عينها ادموعها صارن سكايب، وصوتها شق السما، وبطنها طرد اللي فيه، وكان أبوك في هذيك اللحظة الشينة».
- سامحك الله يا والدتي، ويش جاب هالحكي على بالكي آخر هالليل؟
- والدك يا أحمد، اتعذّب اكثير، ما شاف يوم سعد في حياته، كانوا ايعلموه كل يوم قصة أبوه، ومن ما شبّ على الدنيا، صارت هالقصة عقدة حياته، وظل شبح ثـأر جدك يطارده، يوكل ويشرب معاه حتى مات.. كان يتمنى يشوفك في هاظا اليوم، كان ودّه إياك تعالج أوصاله اللي قطعها الوجع، كان عاتب عليك يوم إنك رحت تدرس هناك، عند الناس اللي خطفوا عمر أبوه، لكنه في أيامه الأخيرة ما كان يتمنى اشي غير شوفتك...».
اغرورقت عينا أحمد من الفراق، في حين كانت العجوز تغفو من تعبها...

