You are here

قراءة كتاب وادي الصفصافة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
وادي الصفصافة

وادي الصفصافة

كتاب " وادي الصفصافة " ، تأليف أحمد الطراونة ، والذي صدر عن دار الآن ناشرون وموزعون .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 7

أنفاس الناس تزيد من حرارة المكان الذي يتوسطه كانون النار.

أصوات: «ودنا سلاح.. الذيب فعل فعلته من قلة البارود مع الرعيان».

برم حسين شاربيه، وفرك يديه ومسّد وجهه وكأنه يقرأ نبوءة، نكأ أطراف النار بخيزران طويلة، أخذ نفساً طويلاً، ثم تنهَّد نافثاً شاربيه إلى الأعلى، عيناه تبدوان حمراوين كعينيّ نمر، فكّ لثام وجهه، وربت على ظهر ابنه الصغير:

«السلاح زين، بصدّ ذياب الليل وذياب النهار».

صوت: «يسلم لسانك..».

تململ قليلاً ثم فكّ (محزمه)([10]) مردفاً: «اسمعوا يا أخوات جملا، إحنا من ما أهلنا انزلونا في هذا المنزل وإحنا راس حربة الكرك في وجه الشـرق، لازم تتوقعوا الغزو في أي لحظة، إن كان من الإنسان أو من الحيوان».

نفث أبو محمد أنفاسه بعد أن حشى رئتيه بدخان غليونه، وأمسك بإصبعيه جمرة ووضعها على الغليون.. لا تستطيع النار أن تعبث بهذين الإصبعين، حاولَتْ مراراً لكنها عبثاً تحاول، وقال: «الله يكفينا شرّ ذياب النهار».

ثم أردف: «زادك إتأخر يا فرحان».

- يا الله يا عمي، ما أنا أسرع من النار.

أصوات هنا وهناك ما تلبث أن تتلاشى..

صوت لم يُعرف صاحبه: «شرّهم قريب يا حج، وبنذر في الموت»، كان كلامه يشقّ رتابة الدخان الكثيف، ويهرق البرد على دفء الجلسة.

أسند حسين ظهره إلى الواسط، وأرسل بصره صوب الغرب كأنه ينتظر خبراً، سعل بشدة من الدخان الذي ملأ فضاء البيت، دقق في معالم المكان، قائلاً: «حسن بيّات في المزار الليلة عند أخته»، وأخته هذه هي جملا التي ينتخون بها.

أثنى سالم على كلام حسين: «صحيح، أنا اليوم شفته في المزار، ومعاه واحد ما عرفته، ألله اعلم إنّه ما هو من البلاد!».

يرجع أبو محمد النظر في بهو بيته، يتفقد الجالسين، منهم من يتساقط رأسه من النعاس، ومنهم من ارتفع شخيره، ومنهم من تتفرس عيناه النار، ينتظرون أن تنقضي هذه الليلة الطويلة.. صمت كئيب، وانتظار طال لوليمة لم تكن في الحسبان.

تمتم فرحان بتعليقاته الطريفة ليقتل الصمت: «ألله اعلم إنه استوى».

لقد أضاف عليه من السمن واللبن ما يكفي لإنضاجه.

صوت خافت: «طول عظم وذوقه».

تعالت السعلات..

أضاف فرحان الحطب وبدأت الوجوه تظهر من عتمة الليل، بينما أضاء سالم سراجاً آخر كان ادخر زيته لموقف كهذا، علّقه على واسط البيت الذي تتصل به «الساحة» أو الحاجز الذي يفصل مجلس النساء «المحرم» عن مجلس الرجال «الشق».

* * *

جمعت أم محمد النساء وبنات العرب في بيتها للعشاء بعد أن فزعن مع الرجال لصدّ هجوم الذئاب..

فتاة صغيرة: «صحيح ودنا نتعشّى لحم يا يَمّهْ؟».

- أي والله يا بنتي، إحنا في بيت أبو محمد راعي الكرمة.

- خايفه الزلم يوكلوه.. وما يظل النا اشي.

- لا يا بنتي، هذه المرة الخير إكثير.

تردّ الفتاة وهي تكاد لا تصدق: «إن شا الله».

تسترق أم محمد السمع للحديث الخافت:

- توكلي على الله يا بنتي، والله غير تشبعي..

تلتفت إلى ابنها الصغير محمد الذي يتساءل: «ليه ما يخلّو البنات يقرن معنا عند الشيخ عبدالله؟عشان يقرن قرآن، ويعرفن أيصلن، ويفِكّن الخط».

«البنات ما إلهن بالقراية»، ثم أردفت:

- يا فرحان، لا تنسى بنات المرحوم عبد من العشا.

* * *

Pages