قراءة كتاب فراسخ لآهات تنتظر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فراسخ لآهات تنتظر

فراسخ لآهات تنتظر

رواية "فراسخ لآهات تنتظر"، ينحو العراقي زيد الشهيد في روايته هذه باتجاه عرض الحال الاجتماعي في زمن الحصار الذي فرض على العراق من خلال الدخول إلى حياة ثلاثة من المنتجين المبدعين ( شاعر ، ورسام ، وناقد ) كانوا يوماً ما مفعمين بطموح تغيير خارطة الوطن ،رغبةً في

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3
·· ويتراجع!!
 
حين خلّفَ غرفته طالعه الحوش· ينثر أنظاره تفحّصاً كأنّه مدعو للملاحظة، راسماً بُعداً ماثلاً مستهِلاً بالمطبخ ومنتهياً بالغرفة المواجهة لوقوفه·· يؤمها عبر بابها المواربة أبداً / أبداً، سعياً لمعرفة ما إذا كان .ياسر ينحت خطوطه السود على ظهر الجدران أو يذرعُ محدودية الأرض يقيسها بأشبار بصره المتصالب صحبة عباراته المبتورة تحت هيمنة التمتمة···لا يثق وهو الأب بالصمت المالىء تخوم الغرفة دلالة عدم الوجود لأنَّ .ياسر كثيراً ما صاحب الصمت إعلاناً لفضاء يشغله، محلِّقاً مع نأمةِ نملةٍ تمارس فعل الصيرورة خروجا ًمن ثقب ترابي أو شقٍّ جداري تعششُ فيه، أو مستأنساً لطنين ذبابة هتكت شيوعَ السكون؛ أو تنصتاً لخربشة فأر تحرك بين زحمة الأنقاض لفعل القضم 
 
يسأل: .أنتَ هنا، يا ولدي؟
 
.نعم، أنا هنا! يأتيه صوت الفراغ·
 
·· ويتراجـع!!
 
بقيَ أن ْ يستجلي وجود .حليمة قبل الخروج· عندما نادى جاءته الهمهمة من الغرفة لصيقة المطبخ فأدرك بعهدة التكرار استلقاءها على السرير وعدم الرغبة في النهوض·· يصيح .سأخرج يا ابنتي! ولم ينتظر لأنه اعتاد على عدم تلقّي نبرة توحي باعتقاد السمع المؤوّل، فأطلق كلاماً آخر فيه رجاء يقطر توسلاً: .أرجو أن أجدكِ عند عودتي· مع يقين أنّه يخاطب هواءً لأنَّ حليمة الابنة هي واحدة من الدبابيس التي تنخز خاصرة ذاكرته وتتركه سليل الألم·
 
يخرجُ·· وهو كل يوم يخرج··
 
تتحسّس أنامله الباحثةُ جيبَ سترته تلمّساً للساعة المكبّلة بسلسلة معدنية _ أهداها له الأب في واحدة من ساعات الاحتفاظ بالتذكّر _ تختزن برودة الأعوام الميتة· الساعة تتكُّ فلا يسمع تلاحق عقاربها· تنده به أنيسة من خلال فسحةٍ سمح بها الباب الخارجي: .إلى أين؟ وهي تعني: .إلى أين تخرج يا شهاب؟ يرد .ألا ترين؟! تقول: .أرى؛ ولكن سيداهمك الظلام بغتةَ انقطاع الكهرباء· (والكهرباء مثل الأيام صارت هاربة راحلة لا أمان لها)؛ ستُخطىء المسير - ولنفسها - يا إلهي سيصبح نهب العثرات· سيُدمي له الارتطام جبهةً فتضحك منه الأعمدة والجدران وإشارات المرور المنسيّة· سيتأسى عليه المارّة فيعود مزدحماً بالشتائم· تلاحقهُ بالنظرات الحنون· ترأف لبطء سيره· يلتفت ليطمئِنها فلا يجد غير باب موصد ودربٍ يئن·
 
يخرج···
 
يلتقيه الجيران· ُيلقي، ويلقون سلاماً عابراً حيث السماء تجمع الرصاص لترتديه والجدران تتخلّى عمّا تبقّى من البرونز عنوةً بينما غربان تطلق سراحَ حناجرها: .قار·· قار·· قار حناجرُ تُبعثر نداءات السكون إعلاناً لمقدم المساء: مساء الباذنجان والضجر المعتاد·· مساء المجاهيل المتلاطمة وأهرامات الكمد الجثيم·· مساء عطن المزابل شواخص الزمن الآتي·· مساء الترقب لفجرٍ قادم يحمل بين إبطيه بالونات المفاجآت·· مساء القار·· قار·· قار؛؛؛ كأنَّ المدينةَ ريفٌ منسي، مفازةٌ فقدت خطوطَها على مجسّات الخارطة··· خارطة!! وعن أيّةِ خارطة تتكلم الكلمات؟!·· عن تبعثر الأجزاء داخل ردائها البالي؟! عن الساحات خاسرة الأسماء؟! الوجوه فاقدة الملامح؟! الأفواه مكمّمة النطق؟! الصدور الضامرة؟! الأرحام خزينة القديد؟! السواقي المُستباحة بالسبايروجيرا؟! النقيق الصادر من الترع الصفراء بضجّة هتافية ساخرة: قار·· قار·· قار؟!···
 
عندما يرد السلام يردّه ُ بشعور مَن سيهاجمه تعنيف داخلي، وتمنّي باختزال حياتي خاطف يؤول إلى خاتمةٍ سريعة كالتهالك المنتَظَر·
 
كثيراً تمنّى اللحاق بأنيسة·· كانت عوناً في ضيق، وأجوبةً لأسئلة···
 
ثمّةَ الأقدام يقيس تتابعاتها فلا يرى انسجاماً مع آثار قدميه· يعرف ويدرك سَفَهَ الأمر الذي قاد لفم النفق·· يدرك قابلات الأيام لن تفيه ِ فسحةً من راحةِ بالٍ يسيرة هو التائب على يديها بعد فوات الأوان· يعرف أنْ لا ندم يجدي·
 
فالأوراقُ مُلِئت···
 
والكتابُ يوشكُ على الانتهاء··

الصفحات