تنفتح رواية "وحدها شجرة الرمان" للكاتب العراقي سنان انطون؛ الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، بسردية حكائية بسيطة تفاجئك احياناً بانعطافاتها إلى صور حلمية فنتازية، متقطّعة بحسب خطوات السيناريو السينمائي، على مشهديات الموت الذي يلتهم قلب بغداد الم
أنت هنا
قراءة كتاب وحدها شجرة الرمان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
3
المرّة الوحيدة التي بكى فيها أبي كانت عندما سمع بخبر موت أخي، أمير، الذي كان يكبرني بخمس سنوات، والذي تحوّل من يومها من الدكتور إلى الشهيد· احتلّت صورته (بالأبيض والأسود) المؤطّرة قلب الجدار في غرفة المعيشة فوق التلفزيون ومساحة أكبر من قلب أبي الذي كان أمّوري أصلاً يحتكّر الكثير منه· فأمير كان ابناً مثالياً طالما افتخر به أبي، دائم التفوّق والأوّل في صفوفه· في امتحانات البكالوريا حصل على معدّل 95% ودخل الكلية الطبيّة كي يصير جرّاحا ويحقّق حلمه بفتح عيادة ويحمل العبء عن أبي ويحيله على التقاعد كما كان يقول له بالرغم من أن أبي كان يصر بأنه سيواصل مهنته حتى يموت· كان يصرّ على مساعدة أبي في عملِهِ حتى أثناء إجازاته القصيرة في سنيّ الحرب مع إيران قبل أن يقتل في معارك الفاو·
كنت في غرفتي في الطابق الثاني أقرأ عندما سمعت صوت سيارة تقف أمام البيت وأبواب تغلق ثم، بعد ثوان من ذلك، رنين الجرس الجديد الذي كان أمير قد اشتراه وركّبه بنفسه عندما خرب الجرس القديم وتلكّأتُ أنا في تصليحه· أزحتُ الستارة فرأيت سيارة أجرة وفوقها تابوت لُّف بعلم· سقط قلبي في هاوية سحيقة· ثم اخترقه كرمح، وهو يسقط، عويل أمّي وأنا أسرع نحو الدرج حافياً· كنت أشاهد في كثير من الأحيان تابوتاً ملفوفاً بالعلم فوق سيارة أجرة تسير في الشارع وأفكر لثوان باحتمال ألا يعود أمّوري إلى البيت على قدميه بل جاثما فوق سيّارة، لكني كنت أطرد الفكرة من رأسي بسرعة· عندما وصلت إلى باب البيت كانت أمّي قد خرجت بالدشداشة دون أن ترتدي عباءتها ووقفت بجانب سيارة الأجرة تلطم وهي تنظر إلى التابوت وتصرخ: يبووو أمّوري··· أمّوري··· راح أمّوري··· راح وليدي
الله يرحمه والبقية بحياتك هو كل ما قاله العسكري الذي وقف يراقب المشهد بجانب الباب ثم طلب منّي أن أوّقع على وثيقة استلام الرفاة· وقّعت، دون أن أنظر أو أقرأ، نسختين بقلم جاف ناولني إياه هو ثم أعاده إلى جيب بزّته العسكرية وأعطاني نسخة طويتها ووضعتها في جيب قميصي· بدأ الجيران بالخروج بعد سماعهم ولولة أمّي وتحلّق بعضهم حول سيارة الأجرة وهرعت نساء الشارع ليعزّين أمي ويخفّفن عنها ويشاركنها البكاء· كان سائق سيارة الأجرة الأصلع قد أتمّ فك الحبال التي كانت تثبّت التابوت فوق الهيكل الحديدي ووضعها في صندوق السيارة وأغلقه ووقف ينتظر· اتجهتُ نحو أمّي لأعانقها لكنها كانت بحالة هستيرية ومحاطة بالنسوة اللواتي بدأن باللطم·فكّرت بوقع الخبر على أبي وقلبه الضعيف· بدأ السائق بزحزحة التابوت وكأنّه يعطيني إشارة بضرورة انزاله· بدأنا، السائق وأنا وبعض الفتية من الجيران، بإنزال التابوت لإدخاله إلى البيت· سمعت صوتاً يقول روحوا على أبو أمّوري بالمحل گولوله· فصرخت بألّا يذهب أحد وبأنّي أنا الذي سأخبره بنفسي بعد أن ننزل التابوت·أنزلنا التابوت ووضعناه في غرفة المعيشة·
هطلت دمعة صامتة على خديّ وأنا أسرع إلى المحل لأنقل لأبي خبر موت أمّوري· أمّوري الذي كان يلعب كرة القدم معي في الشارع· أمّوري الذي علّمني كيف أصنع طائرة ورقيّة باستخدام قطع من سعف النخيل ذات صيف والذي تسلّق نخلة الجيران لينزلها منها حين علقت بالسعف· أمّوري الذي نمت وإياه في نفس الغرفة لعشرين سنة والذي كان يشخر أحياناً لكنه يتهمني بتلفيق تهمة الشخير·أمّوري الذي كبسني وأنا أمارس العادة السرية في الحمام ذات يوم لأني نسيت أن أقفل الباب واعتذر وابتسم ثم أغلقه بسرعة· ثم قال لي بعدها بأنها رغبة طبيعية لكن يجب ألا أدعها تتحكم بكل وقتي وألا أسرف في ممارستها· أمّوري الذي أعطاني دراجته ال 24 الزرقاء عندما طالت قامته واشترى درّاجة 26 وكنّا نتسابق دائماً ويدعني أغلبه في النهاية· أمّوري الذي حفظ سرّي ووافق أن ينوب عن أبى لإقناع مدير المدرسة الثانوية بالسماح لي بالعودة إلى الدوام بعد ازدياد غياباتي· أمّوري الذي حاول بصدق أن يتفهّم نزعاتي الفنية واختياري النحت كموضوع دراسة ومهنة وكان يحترم الفن مع أنه، في آخر الأمر، لم يكن يحتل المراتب العليا في سلم قيمه· أمّوري الذي كان يريدني أن أكون مهندساً أو طبيباً مثله ولم يستطع أن يخفي خيبة أمله حينما حصلت على معدل 78،8% في امتحانات البكالوريا والذي كان يكفي لدخول أكاديمية الفنون الجميلة لكنه لم يكن بمستوى طموحه لأخيه الصغير أمّوري الذي كان يدافع عنّي في البيت ويقف معي شارحاً وجهة نظري إزاء انتقادات أبي وأمّي ويقول لهما بأنني موهوب ويجب أن أختار طريقي بنفسي وأن أتحمّل تبعات قراراتي· أمّوري الذي زار المعرض الذي أقمناه في السنة الثانية في الأكاديمية خلال واحدة من إجازاته كي يشجّعني وطلب مني أن أشرح فكرة عملي له وأبدى إعجابه واستمع بصدق· أمّوري الذي كان يمزح معي ظانّا بأنّه يشجعني لكنه كان يزعجني عندما كان يقول بأن تماثيلي ستملأ ساحات بغداد· الدكتور أمّوري الوسيم والخجول، خصوصاً مع البنات، لكنه نجح في إيقاع وسَنْ، ابنة الجيران، في غرامه بصمته ووقاره منذ سنين وسارعت أمّي لتخطبها له قبيل تخرجه· وسَنْ ذات الشعر الأسود الطويل والسيقان الجميلة التي كانت تدرس الهندسة المعمارية في الجامعة التكنولوجية والتي كنت أشعر بالذنب عندما لا أفلح في إبعاد صورتها أكثر من مرة عن أحلامي ورغباتي الجنسية· أمّوري الذي كنت أغار منه كثيراً لأنه المدلّل المفضّل المتفوّق والمثال الذي أخفق في الاقتراب منه· شعرت بالذنب لأنني لم أستطع منع نفسي، حتى في هذه اللحظة، من التفكير بكل أنانية: ترُى هل كان موتي في هذه الحرب، التي لا يبدو أنها ستنتهي، سيترك رُبع الفجيعة والحزن اللذان سيخلفها غياب أمّوري؟ مسحت دموعي ووبّخت نفسي على هذه النرجسية·


