"ليلة الهدهد" إصدار روائي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2013. للكاتب العراقي المقيم في السويد إبراهيم أحمد، يقول الروائي عن ليلة الهدهد التي كتبت فصولها بين آب 2000 ونيسان 2013 في السويد وبغداد والقاهرة:
أنت هنا
قراءة كتاب ليلة الهدهد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ليلة الهدهد
رغم عدم استطاعته صعود مرتقياتها وطرقها القديمة العالية الملتوية، صار متآلفاً معها، شاعراً أن هواءها الندي بعبير صنوبر، وماض بعيد يلائم أنفاسه الأخيرة· كان يتأمل ذرات الزمن مختلطة بلمعان الضوء، ويرى في نوافذ بيوتها الصغيرة إطلالات على المجهول من تاريخ هذه الأرض المكونة من حطام سيوف وجماجم، كتب، ومجامر بخور، وعطور وخمور! يتسلى كل يوم باستعادة الذكريات العتيقة لهذه المدينة، ربما هرباً من ذكرياته الشخصية، أو لترويض عقله كما يقول لكي لا يصيبه الخرف· يشعر بحنين ووجود أعمق حين يتذكر إن أربيل هي من أقدم مدن الدنيا التي ما تزال مأهولة! قبل خمسة آلاف سنة تقريباً بنى الآشوريون في هذا السهل الرحيب هضبتها الكبيرة حجراً حجراً· أعلوا في بنائها حوالي ستة وعشرين متراً تحسباً لهجمات الأعداء، حيث لا يوجد حولها نهر أو جبل يحميها· أسموها أرباـ إيلو، أي الآلهة الأربعة· أعلنوها عاصمة أبدية لمملكتهم! بعد أزمان طويلة حين بسطوا سيطرتهم على سهل وادي الرافدين مخضعين من تبقى من السومريين والأكديين والبابليين، نقلوا إلى قمتها كرسي الإلهة عشتار، ورفعوا مناصب سفرائهم إلى محفل آلهة السماء، وتلقوا رواتبهم وعطاياهم من السماء مباشرة: مزيداً من المطر والمراعي الخضراء وضروع الماشية المترعة بالحليب الدسم المعطر بزهور السفوح! ومن هذه الزبدة الكبيرة تنهض نساء ممشوقات القوام، ناهدات الصدور، لدنات البطون والأفخاذ، ترف شعورهن الذهبية مع آخر خيوط الشمس على الشواطئ البعيدة! في كل مرة يسأل يونس نفسه من هم هؤلاء الآلهة الأربعة الذين ساسوا بأرواحهم العظيمة هذه المدينة؟ فهي لم ترتح في مكانها بل راحت تجوب آفاق الدنيا والتاريخ، سفينة فتوحات و استطلاع وهيمنة! في كل مرة يجيب: لا أريد أن أستقي معلومتي من الكتب! العتمة والغموض أشد إمتاعاً! لذا كان يمارس في كل مرة معها لعبة التوقعات· كان يقول: من المؤكد، لم يكن بينهم إله الحب، بل إله الحرب، لو كان إله الحب بينهم لما طغى إله الحرب، ولكن هل يستطيع إله الحب الرقيق لي ذراع اله الحرب قوية العضلات؟ السجلات القديمة لهذه القلعة مكتظة بأخبار حروبها وفتوحاتها أزماناً طويلة· فهي ألقت بظلها على أهرامات الفراعنة في مصر، وحقول التوابل في الهند· طوع ملوكها الحديد لعضلاتهم؛ فصارت قلوبهم أقسى من الحديد· وركبهم جشع السلطة والثروة والشهوات؛ فراحوا يتصارعون على العروش· الابن يقتل أباه، والأخ يقتل أخاه، والزوجة تخون بعلها ومليكها؛ لتضع أبنها أو عشيقها مكانه! يجوبون أقاليم الدنيا، يقهرون حكامها وأبناءها ليأتوا برؤوسهم وجلودهم، يعلقونها عند مداخل قصورهم للزينة· كان بينهم إله الحكمة، هذا مؤكد، فبعضهم أحب المعرفة والاكتشاف والعلم، بنى إمبراطورهم آشور بانيبال مكتبته في مدينتهم نينوى فكانت أول وأكبر مكتبة في العالم القديم· لكن ماذا يفعل إله الحكمة مع إله الحرب، وقد أغلق أذنيه، وفتح عينيه على طرق الغزوات والثروات؟ إنه طرد إله الحب, وحين رأى الشبان يقصدونه غير مكترثين للحرب، قتله· قطع جسده وجعل القطط السوداء تأكله لتصير رمزاً للكراهية! تحالف الكلدانيون مع الميديين وقضوا على إمبراطورية آشور وأحرقوا ملوكهم أحياء، واحتلوا قلعتهم هذه! في الأزمان الأخيرة فني كثير من الآشوريين في صراعهم الطويل مع الأتراك والكرد والعرب· رحل كثير ممن تبقى منهم إلى أمريكا وكندا وبريطانيا وأصقاع الدنيا الأخرى· ثمة مجموعات نزحوا إلى بغداد والموصل، أو واصلوا عيشهم متناثرين في قرى اشتهرت بالأعناب والخمور والأديرة المأهولة بالرهبان المعمرين، والراهبات اللواتي طمرن جمالهن الفتان تحت مسوح سماوية ثقيلة! اليوم آلت معظم أرضهم الشاسعة للكرد القادمين من عزلتهم الطويلة في أعالي الجبال· جعلوا أربيل عاصمتهم، وراحوا يبسطون سيطرتهم على ما حولها· تضاءل ذكر اسمها في الكتب وسجلات الأمجاد الكبيرة· عاشت نصف القرن الأخير في طاحونة دم مع السلطة في بغداد· صارت تعيد إليها جنودها القادمين من وسط البلاد وجنوبه جنازات، أو مجرد أسماء ميتة، وتلتقط من الأرض المحيطة جثث رجالها ونسائها وأطفالها، في غارات وقنابل حارقة وسامة· بينما يتردد اسمها في بغداد في أوقات السلم القليلة مقروناً بلبنها اللذيذ مفعماً بنكهة النار، وزهور الجبال! ظل هذا التيار الدموي يطويه النسيان والتجاهل وراء الجبال، يطيح بزعماء وحكام العراق، ويطوي عهود حكمهم مع أكفان الموتى وينشر الشقاء بين العراقيين، ما جعل البعض يعتقد أن قلعة الآشوريين هذه لا تزال تعج بالأشباح ذوي الخوذ الحديدية! وفي دوامة كل ذلك دفع بيونس رحيم إلى رأس القلعة، ليسكن هذا البيت الصغير في محلة السراي بين العوائل الفقيرة، ويطل منه على الأفق المتوهج في شروقه وغروبه· يرى في التماعاته المبهمة أو الواضحة ما يشاء تفسيره من تاريخ وأحزان خاصة· صار كلما امسك ذرة منها زاغت من بين أصابعه المرتجفة، ورموش عينيه اللتين تغيمان بالدموع أحياناً· حين ينهض من جنب النافذة يحس جسده مفتتاً، تراباً لم يعد يستطيع الحنين، لأهل أو مرابع أصدقاء· صار يتوق لتراب القبر، وراحته التي لا تقطعها ساعة تنبيه، أو طرق على الباب!