برزخ العالم الثالث- مذكرات سجين في مكان سحيق
تأليف: علاء الدين المدرس
الناشر: دار الرقيم - العراق (2003)
أنت هنا
قراءة كتاب برزخ العالم الثالث
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

برزخ العالم الثالث
الصفحة رقم: 3
وتم الافراج عني بعد اجراءات الحجز والتحقيق التقليدية، وثبوت براءتي من التهم والتلفيقات التي الصقت بالمكتب وعمله. أما الثانية فكانت في أواخر سنة 1994م، حيث تكرر نفس الاسلوب السابق معنا ولكن بدرجة أشد، واعتقلت مع أحد العاملين معي لمدة سبعة أشهر تقريباً. وتم تدبير خدعة واتخاذها ذريعة لمهاجمة المكتب ومصادرة موجوداته ورأسماله، تمهيداً لغلقه نهائياً. فأرسلت الأجهزة الأمنية مجموعة من الوكلاء، بحجة شراء حاسبات، وبعد الاتفاق على موعد لاستلام الحاسبات وتسليم ثمنها في المكتب، تمت مهاجمتنا من قبل مجموعة مسلحة من رجال الأمن، وصادروا البضاعة والمال وبعض الكتب والاجهزة الاخرى، واقتادونا الى المعتقل في أمن بغداد.
لقد كانت هذه بداية المحنة، وظهر لنا فيما بعد أن هؤلاء الزبائن كانوا في الواقع وكلاء للأمن، وقد سرقوا جزءً من مال المكتب المصادر وسلموا الجزء الآخر مع البضاعة (لجهاز الأمن) لكي يصادر . وبعد اعتقالنا استلمتنا أيادي رجال الأمن!.. واقتادونا إلى الدائرة الأمنية في وسط بغداد، ليفتح لنا ملف ويبدأ التحقيق معنا ليلاً مكبلين، وكان الموقف غريباً علينا لأننا لم نواجه مثل هذه الظروف من قبل. ولم تكن هذه التجربة سهلة كسابقتها، كما كنا نحسب في أول وهلة. وقد مكثنا أسبوعاً كاملاً في ذلك المكان على ذمة التحقيق, ورغم هول الصدمة فقد كان الأمل يساورنا بالفرج القريب، وكنا نتوقع الخروج في أية لحظة، ونحسب أن الأمر لا يتجاوز الحجز والتحقيق البسيط كما في الاعتقال السابق، ولم يكن يخطر ببالنا هذا الدهليز والبرزخ الذي عشنا فيه أشهراً طويلة، كتلك التي مرت علينا وكأنها سنين عجاف..
بعد مضي أيام التحقيق الأولى، تم نقلنا إلى زنزانة التوقيف، حيث المرض والجوع والعذاب النفسي اليومي، وحيث الهياكل البشرية التي عصف بها الجوع، وكأنها أشجار خاوية في أيام الخريف.. وقد أصبحنا مثل أقراننا بعد مدة ليست طويلة. وصيرتنا الظروف والأحداث المتلاحقة جزءً من هذه المأساة.. مأساة الحرمان من كل ما هو ضروري لحياة الإنسان, فالهزال لا بد أن يصيب كل من يدخل هذا المكان بعد أشهر قليلة.. فقدر الهزال والمرض هنا كقدر الموت في كل مكان, فلابد أن يصيب الجميع دون استثناء!.
لم يكن التحقيق باديء الأمر صعباً أو متعباً، لأن ظاهر التحقيق كان حول نشاط المكتب الاعلامي والتجاري، والاستفسار والاستبيان حول الحاسبات وقيمتها والأجهزة الطباعية الأخرى والكتب الاسلامية التي ضبطت في المكتب، وصلتها بنشاط المكتب وعمله بشكل عام، ومع ذلك لم يكن يخلو التحقيق من الأذى والتعذيب بالضرب واستخدام الكهرباء في عملية التحقيق الروتينية، إذ أن هذا الأسلوب كان جزءً من مكملات الدوائر الأمنية في بلادنا وبلاد الشرق الاستبدادية، وبالنسبة لي فلم يضطر المحقق لاستخدام التعذيب الشديد معي، إلا بضع صفعات قوية! كادت أن تفقدني توازني، فأسقط أرضاً.. ثم شيء من الركل بالقدم.. مع الضرب بقضيب من الخشب (الهراوة) على الظهر, وأحياناً يستخدم التعليق على المروحة السقفية أو الجَلْد وغيرها من الوسائل المعتادة.

