رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.
أنت هنا
قراءة كتاب صابر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 1
(1)
أمرهم غريب؛ يغرسون حقنهم المنوِّمة في رحم الوريد، يطعنون بطن ذراعي بقسوة وكأنه خُلق من حديد، يفرّغون سمّ النشوة ثم ينتشون الحقن بقلوب ميتة وكأنهم ينتشون مسماراً من جدار عنيد.. ينتشونها ويبتسمون معجبين بمهاراتهم المميزة، ومُهلّلين لصمْتيَ العجيب.
عليّ أن أشكرهم بابتسامة عريضة، وإلا سيغضبون، وما أدراك ما غضبهم! يخدرونني ليختلسوا صحوتي، ليغسلوا دماغي ويروضوه، ثم يفتحون التلفاز ليختبروا تأثير مخدرهم باطلاعي على مستجدّات الأمور. أشيح بوجهي لأهرب من تلك الصور ولأحمي قلبي من رعاة البقر. أغمض بصري، أغلق سمعي، أظنّ لبرهة أني انتصرت على رغباتهم. فجأة أشعر ببرودة تلاطف جسدي، تقتحم عقلي، تحاوره، تضاجعه، وتنتصر. يتبدل حالي بلمح البصر، أستسلم تماماً. أطلق بصري بل ألصقه بشاشة التلفاز، وأتركهم يعبثون بمشاعري، بكرامتي، بكل شيء يسكنني، والأدهى من ذلك أرى نفسي أصفق بحماس لأي خبر.. لأتفه خبر.. لأحقر خبر!
وإذا ما ذهب مفعول المخدر، وعاد دماغي لمواصلة مهامه، أو تفاعل مع الحدث بعيون ناقدة أو تجرأت فأفصحت عن رأي بصراحة تقوم قيامتي.. يثورون، يجنون، يُعسكرون أمامي ككتيبة من الأشباح ويتسابقون لاغتصاب حريتي وقمعها. لا يثقلون عليّ كثيراً، أبداً لا يثقلون! فقط يكتفونني بقميص الجنون، يقيدون أقدامي بسلاسل تزن أكثر من وزني، ويقيدون أطرافي بسرير متحضر، ويشرعون بدغدغة جسدي بالكهرباء. يشبعون غريزتهم ويزجّون بي في زنزانة انفرادية لا تتسع لدِيك حبش هزيل.
ومع ذلك يصرّون على إسماعي نشرات الأخبار، كأنهم يتعمدون خلق ذريعة لتأديب جسدي، وأراهن أنهم يتعمدون، فهم يعرفون أن أخبارهم تؤرقني، توقظني، وتجعل دمي يغلي في عروقه كالحمم.
وأية أخبار؟ أخبار هرمة مللت سماعها، ضجرت من عناوينها المتكررة وتفاصيلها الممقتة. دائماً نفس الأخبار، أخبار القرن الماضي تعيد نفسها من جديد، تغيرت التكنولوجيا في بث الأخبار، تغير المذيعون، إلا أن الخبر بقي على ما هو عليه، لا يتغير. عناوين مفجعة تتكرر باستمرار، كلها تدور حول مسرحية هزلية طال مُشاهدتها، بطولة أرض قيل إنها بلا شعب! أرض اغتصبت منذ عشرات السنين ولا زالت حتى اللحظة.