هذه الرواية يعتبرها الإيطاليون "رواية المقاومة الإيطالية": المقاومة التي عرفتها أوروبا إبّان الحرب العالمية الثانية، والتي كانت كلها مقاومة للطغيان النازي – الفاشيستي، وكانت من السرية والتنظيم، ومن الإيمان بالوطن، والتضحية الصامتة بالروح والدم، العنف المباغ
قراءة كتاب الرجال والرفض
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
فقال فيتوريني: "لنذهب حالاً إلى مكتبي. أما ما جئت في شأنه فيمكننا إرجاؤه إلى ما بعد".
ومضينا معاً إلى مكتب فيتوريني. فجلس خلف طاولته، وجلسنا أمامه. وأسند هو مقعده إلى الخلف حتى ركزه على الجدار خلفه، وقال: "كاتب عربي؟" فقلت: "نعم". فقال: "أمر يبعث على الاهتمام حقاً! وهل بين العرب أدباء كثيرون؟ وهل لديكم لغة عربية عصرية؟".
فضحكت، وقلت: "يؤسفني أن لا تكون لديك معلومات البتة عنا. إننا في بلادنا نعرفكم ونعرف سواكم من أدباء الدنيا في القديم والحديث، وأما أنتم فلا تعرفون عنا شيئاً". فقال فيتوريني جاداً كل الجد: "الواقع أنني لا أعرف عنكم شيئاً" وهذه أول مرة ألتقي فيها بكاتب من العرب". ثم أضاف: "حدثني عن أدبكم وعن أدبائكم. ماذا تمارسون من فنون الأدب؟ وهل لديكم روائيون، وقصاصون، ونقاد؟" فقلت: "لدينا كل ما لديكم من فنون الأدب؛ والمدارس الفنية التي فيها تتناقشون وتختلفون، نتناقش نحن أيضاً فيها ونختلف".
ومضيت أحدثه عن الأدباء العرب، وعن نهضة الفكر العربي المعاصر، وهو يصغي باهتمام كبير، وقد أعاد كرسيه إلى وضعه الطبيعي. وأسند مرفقيه إلى الطاولة منصرفاً إليّ انصرافاً تاماً. وقال بعدئذ: "لماذا إذن لا تترجمون أدبكم إلى لغاتنا كما تترجمون آدابنا إلى لغتكم؟ ألا ترى أنكم أنتم المقصّرون في حق أنفسكم".
وحقاً، نحن المقصرون في حق أنفسنا. ولكن ليت تقصيرنا كان مقتصراً على شؤون الفكر وحدها، إذن لهان الأمر. فنحن مقصّرون، بل مخطئون في الكثير من الأمور، مع الأسف الشديد!
وأخبرت فيتوريني أنني سأمضي بعد ميلانو إلى تورينو، وأرجو أن أتعرف إلى أدبائها. وحين وصلت إلى تورينو بعد ثلاثة أيام، وخاطبت بالهاتف الكاتب الروائي إيتالي كلفينو – مدير النشر في دار ايناودي – طالباً موعداً للقائه، أجابني مرحّبا وقال: "أنا في انتظارك منذ يومين، فقد اتّصل بي فيتوريني، من ميلانو، وأخبرني أنك قادم إلى تورينو".
ذلك كان بدء اتّصالي بفيتوريني. ثم قرأت بعد ذلك عدداً من رواياته: قرأت: (محادثة في صقلية) و(الرجل والرفض) و(السمبيون يغامز الفريوس) و(اإيريكا وإخوتها)، فكنت في كل منها أمام روائي يَسْلُس القلم في يده إلى حد الإبداع.
روايته (محادثة في صقلية) كانت عملاً من القلب: فقد عاد بها الكاتب الصقلي المهاجر إلى الشمال، إلى القرية الصقلية الفقيرة، وإلى أمه العجوز التي خلفها هناك وحيدة، لكي يستعيد معها ما كان من ذكريات القرية التي هجرها في سبيل لقمة العيش، وهو يصف الطرقات، والبيوت، والآدميين، وصفاً يخرج من حبّات القلب المتألم على حالة قومه البائسين، ويشعر بكلّ أنّة ألم تعتلج بها شفاههم الراضية القانعة على الفقر.


