كتاب "مختارات من ديوان أعوام الرمادة 1972-1982"، أتساءل أحياناً: لماذا ينسحب شاعر جيد من الكتابة بينما يستمر آخر ردىء، ولماذا تنطمس موهبة كبيرة وتتوارى كأنها تخجل أمام الشعر بينما تبرز موهبة ضحلة أو شبه موهبة، ولا يجد صاحبها حرجاً في أن يدافع الشعراء، بالمن
أنت هنا
قراءة كتاب مختارات من ديوان أعوام الرمادة 1972-1982
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

مختارات من ديوان أعوام الرمادة 1972-1982
الصفحة رقم: 6
(الأنا) محور القصيدة، فهي التي تعاني وتتعذّب، يُمزَّق لحمها، ويُهرس عظمها، وتصل إلى حافة الموت· ولكن ما بال هذه (الرحى) التي تقف صلبة، خالية من المشاعر، هادرة كالسيل لا يقف أمامها شيء· هي طرف الصراع الثاني· (الأنا) تتعذّب والرحى سبب العذاب، (الأنا) تظمأ والرحى ترتوي بظمأ هذه (الأنا)· (الأنا) تذوى وتضمحلّ وتكاد تتلاشى والرحى ماضيةٌ في عملها لا يوقفها شيء، كأنَّ حياتها في موت (الأنا)، وبقاءها في زوالها· الصراع بينهما شخصي يحقّق الذاتية، ولكنّنا نتلمّس فيه بُعداً آخر يمدّ الشاعر فيه بصره الى الخارج، وهذا الخارج قاسٍ لا يرحم· إنّ الشاعر ينقلنا من الذات إلى الآخر الذي هو أرحب، وأكثر اتّساعاً غير أنَّ النظرة إليه قاتمة سوداء تشبه صنيع الرحى، الظلال كثيفة، والصبح بعيد، ولكنّه يبصر من خلال تلك السُّجف المتراكبة بصيصاً ضعيفاً:
حتى لينمو في عذارى الفكر شيء من مسيحٍ كالخرافة
يخفق من خلف غلالات المسافة
يلوح ممشوق القوام يدعونا كلينا
فتلمع البروق في صدورنا
تنتظر الميلاد·
ولا بدَّ للصراع من آخر ولكن لا لينتهي بل ليبدأ صراع جديد ومن نوع آخر، الذات هي المركز لكنّها تمدّ نظرها إلى هذا الفضاء اللامتناهي· ونرى ذلك مرة أخرى في قصيدة (قرية المجد) حين يقول:
كان لي في قرية المجد صحابٌ وخمائلْ
ونجوم تلد الضوء لأخرى ومشاعلْ
وكروم يقف الدهر على صهبائها وقفة سائلْ
أين منّي قريتي أطلالها أضحت زوائلْ
الأماسيّ خوالٍ والأناسيّ رواحلْ
قريتي لم يعد يطرقها في خلوتي حلو الشمائلْ
بل رسلٌ من زمن نغلٍ محنّى برذائلْ

