أصبح السعي وراء الحقوق الإنسانية، التي أقرَّتها الشرائع وسنَّتها القوانين، من سنن الحياة، وهو سعي لا يتكلَّل في كثير من الأحيان بالنجاح، فحق الإنسان في الأمن والسلام تهدده – دائماً – الحروب، وحق البشر في العمل أذهبته حُمَّى البطالة وفقرِ الاقتصاد أدراجَ الر
أنت هنا
قراءة كتاب مرافئ الذاكرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
وفي نظر أبو غربية، فإن الإصلاح، الذي يؤكد العنصرَ الإنساني، وأهمية الدور الذي يؤديه الفرد، لا يعني قيام حكومات ومؤسسات (صالحة)، كما لا يصلح عذراً لتباطؤ الأفراد المؤهلين، أو الجماعات المؤهلة، للقيام بمسؤوليتهم فيه، إذ هو مفتوح لكل إنسان مؤهَّل، حتى لو اقتصر على إصلاح نفسه. ومن هذا المنطلق لا يعود العمل التحرري التحضري في حاجة إلى انتظار (اكتمال خطة معينة)، أو انتظار (أن يفوز بالسلطة فريقٌ أو حزب أو قائدٌ أعلى للقيام بالواجب)، فواجب كل إنسان عربي يكون "في متناول يده أينما يكون"، ويكفيه أن "يظل أبداً في خندقه" مكافحاً أشكالَ الفساد الساري فيه وفي غيره، وعاملاً في تحرير نفسه، ومن يستطيع من أبناء مجتمعه.
يلخِّص هذا الحوار، السؤالَ الذي تطرحه علينا مسألة رؤية بهجت أبو غربية، في عالم يتفكك داخل حروب أهليَّة مُصطنَعة، وأزمات اقتصادية خانقة، أنتجتها (فبركتها) قوى سياسية عالمية، عرفها العالم العربي منذ مطلع القرن الماضي، بأسماءٍ مختلفة، فمن إمبراطورية بريطانيا، التي لا تغيب عنها الشمس، والتي غيَّبت فلسطين عن الخارطة الدولية، لحسابات سياسية دقيقة، قائمة على رافعة الاستعمار، وبالكيفية التي انتهجتها من أجل تنفيذ هذه المهمة غير الأخلاقية وغير الإنسانية، حيث جعلت الإنسان الفلسطيني يدفع وبشكل مباشر (فاتورة) تطور الاستعمار وتمدُّدِه في عالمنا العربي، وتحت مسمّيات مختلفة، إلى إمبراطورية أمريكية زحفت على العالم العربي بعد أفول إمبراطورية بريطانيا.
تلك الصدمتان اللتان تعرَّض لهما الفلسطيني، كانتا في حقيقة الأمر، إجابةً عقيمة للصدمة الأولى التي تعرض لها الإنسان العربي، منذ وصول الحملة الفرنسية إلى مصر وما جلبته معها من مكتشفات وأدوات، والأهم من ذلك، أفكار، يؤرخ الباحثون لها على أنها بداية الصحوة العربية وما تلاها من إحياءٍ ونهضة، وكانت هي الصدمة؛ صدمة الأزمة، التي أرعبت الناس وبخاصة الفقهاءَ والعلماء، وبقدر الرعب الذي أصابهم كان الانبهار والتعجب من هذا الدخيل الذي أيقظهم بعد أن كانوا نياماً في ظل عيشهم تحت يافطة الخلافة العثمانية.
كانت هذه الصدمة أول باعث ومحرض لهم للعودة إلى الأصول والتاريخ والتراث.
وانطلقت من رحم هذه العودة حركاتُ الاستقلال والتحرر العربي في خمسينيات القرن الماضي وما تمخض عنها من ثورات شرقاً وغرباً، وفي مختلف أقطار العرب، واعتناق بعض هذه الثورات الأفكارَ الاشتراكية والماركسية. كما نما اتجاهٌ جديد في قراءة التراث العربي أساسه الرفض لكل جديد، بل محاربته، واستحال أصحابُ هذا الاتجاه ليصبحوا شيعاً سياسية متعصبة.


