كتاب "لقاء التاريخ بالعصر: دعوة لنبذ الخلدونية بأبعادها المعاصرة في وعي الشعب تأسيساً لثقافة العقل"، الدراسات الأكاديمية العربية بشأن ابن خلدون ليست بالقليلة··· وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المفكر في فلسفة التاريخ والاجتماع في الحضارة العربية الإسلامية لم يدخ
أنت هنا
قراءة كتاب لقاء التاريخ بالعصر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

لقاء التاريخ بالعصر
إلا أن أهمية ابن خلدون وطرافة فكره، وإن تمثلت في إيماءات فكرية، تتخطى عصرها كالفكرة الاقتصادية والفكرة القومية كما أوجزنا، فإنه كان محددًا وواضحًا في أفكار أخرى مازالت واقعًا لا يمكن إنكاره في حياتنا العربية الراهنة، نورد منها على سـيل المثال لا الحصر، تدليلاً على أن ابن خلدون مازال (معاصرًا) لنا كعرب، وأننا سنحتاج إلى وقت حتى نتجاوزه في واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي:-
1- من أهم المسائل التي حذر منها ابن خلدون اشتغال رجال السلطة بالتجارة ومنافستهم لأهل البلد وتجاره، بما يؤدي إلى عرقلة الاقتصاد وتدميره، وانعكاس ذلك وبالاً على الدولة نفسها في نهاية الأمر، كما يتضح من تجارب عربية معاصرة··· يقول ابن خلدون في نص كأنه كتب اليوم عن هذه الظاهرة، وخلاصته : (إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية (أي لنظام الضرائب الذي تستعين به الدول)) - وفي (المقدمة) إسهاب فكري مهم في إيضاح جوانب هذا الأمر والوبال الذي يجلبه على (الرعية)، وكيف أن رؤوس الأموال تهرب وتهاجر من بلد التسلط إلى بلدان أخرى، خاصةً إذا استغل المتسلط نفوذه في السلطة لمنافسة أهل البلد في أرزاقهم· وعلى العكس من ذلك، كان ابن خلدون يشيد دائمًا بالسلاطين الذين يكتفون بسلطة الحكم ولا يخلطون بين الإمارة والتجارة، وهو ما بقي مثلاً أعلى للحكام العرب القلائل الذين تميزوا عن غيرهم بالنزاهة ونظافة الذمة، على ندرتهم في تاريخنا وواقعنا .
2- كما حذر ابن خلدون من أنواع الاستبداد والتسلط الأخرى لأن ذلك يؤدي إلى تنفير أهل البلد، وانقلابهم على السلطان وتعاونهم مع أعدائه؛ وقد لخص ابن خلدون رؤيته لآثار مختلف أنواع الاسـتبداد والتسلط بمقولته الرائعة (الظلـم مؤْذِن بخراب العمران)، داعيًا السلاطين إلى اكتساب قلوب رعاياهم بالمودة والعفو والإحسان، تعزيزًا لدولهم ذاتها·
3- يُنبه ابن خلدون إلى أن الدعوة الدينية بلا عصبية قبلية أو قومية لا تتم لاحتياجها إلى وازع طبيعي، وذلك ما يحاوله - معكوسًا - في أيامنا بعض المشتغلين بالإسلام السياسي تحديدًا، بإثارة النعرات الطائفية أو العشائرية لدى أتباعهم؛ ليقينهم أن مواعظ المنابر الدينية في حد ذاتها لا تملك التأثير الكافي لاحتياجها إلى قوى اجتماعية مؤثرة وراءها، لذلك لا نراهم ينادون بإسلام نقي مبرأ من الطائفية أو العشائرية كما ينبغي أن يكون دينيًا، وإنما هم يتخندقون وراء هذه العصبيات لأنهم بدونها لا نفوذ لهم، ولم نسمع بحركة إسلامية واحدة، فوق المذاهب، ومن مختلف المذاهب - كما كان الأمر في حركة التحرر العربي - لأن الناس لا يجتمعون خلف الدعوة الدينية بالمطلق، وإنما يتحركون بعصبياتهم القائمة المتوارثة، فذلك ما ورثوه عقيديًا ويبدو من الصعب جدًا تجاوزه· وعليه، فإذا انتفت القوة الاجتماعية الدافعة، يتحول الدعاة إلى مجرد أصوات صارخة في البرية بلا أثر، أو حسب تعبير ابن خلدون : (ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم··· وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر··· وهكذا كان حال الأنبياء··· في دعوتهم إلى الله··· وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة···)
هذا النص الخطير لابن خلدون كتب قبل أكثر من سـتة قرون، لكنـه كمن يشخص (الظاهرة الإرهابية) في أيامنا ومن يندفع وراءها من فقهاء وعامة وغوغاء ودهماء، فيقضون ويهلكون حسـب تعبيره (مأزورين غير مأجورين لأن الله لم يكتب ذلك عليهم···)، حيث تذهب أعمالهم عبثًا، أما أحوال الدول فقائمة لا تؤثر فيها إلا القوى الاجتماعية الفاعلة، سواء كانت قبائل أو غيرها من قوى مجتمعية كما في عصرنا· وهذا يعني، من منطلق ابن خلدون، أن الموعظة تبقى موعظة، سلفية كانت أم علمانية، وأن الفكرة مهما كانت لا تهبط إلى واقع الناس إلا إذا حملتها قوى فاعلة من ذلك الواقع، وما عداه حرث في البحر··· ! (ولو كان (تنويرًا) وعظيًا من جانب أخطر المفكرين والدعاة!)·

