رواية "حب في زمن الغفلة"؛ بصعوبةٍ ما بعدها تزدردُ الأحداث، الانتظارُ يلوكُ أعصابها، يدهسها...تودُّ تسمعُ صوتَه مجدداً يهاتفها بحرارةٍ، من يستعيدهُ من غيبوبته التي طعنت الجميع؟
أنت هنا
قراءة كتاب حب في زمن الغفلة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
يضيف عمه مبتسماً، وقد أسعدته دهشة ابن أخيه بما يرى:
-أنا أعمل في بناء إحداها هذه الأيام مع فريق الشركة طبعاً، مشروع ضخم للغاية، سأصطحبك إليه يوماً، وسترى كيف يكون البناء الحديث.
على أحد المباني يرفرفُ علمٌ كبير رُسمت عليه ورقة شجرة كبيرة، ورق الأشجار الشامخة نفسها التي كان قد رآها عند وصوله.
كانت المرة الأولى التي طرح فيها السؤال:
-أليست هذه ورقة...
-بلى، بلى هي بعينها... هنا يعتزون كثيراً بأشجارهم، لذلك رسموا ورقة شجر رمزاً على العلم الوطنيّ، الخضرة مقدسة في هذا المكان، تحافظ عليه الدولة، ويعتز المواطنون به، ممنوع قطع الأشجـار، وإذا حصل فبإشراف جهـة مسؤولـة، بعض هذه الخضرة يستحيلُ مرجـاً من اللـون الأحمر الداكـن والبرتقالي في فصل الخريـف، وهو الأمـر الذي ذكـره المطـرب الفرنسي الشهـير Joe Dassin في أغنية له L´été indien.... يومها بدا له عمّه مثقفاً، لكنه استنكر في داخله أنه نسي الأرزة التي تزين علم بلده.
استمرت السيارة تتهادى على الطرقات المتسعة النظيفة، نظافة لافتة لم يجد للمشهد خلفيةً في ذاكرته، فأكثر ما يحمله من الطرقات في بلاده هو انزعاج أمّه وهي تقود، وهو إلى جوارها في السيارة، تتأفف طوال الوقت من القمامة الملقاة على جانب الطريق، أو من المطبات والحفر التي تظهر فجأة فتكاد تهشّم سيارتها.
يبسمُ لصورة أمّه، يحبّها تلك المرأة التي أحبته كطوق أحياناً، لم تكن تريد له أن يسافر... خاضت معارك كثيرة لكي تمنعه، خاصمت أباه وعمه، لكنه حسم الأمر في النهاية.أخبرها أنه يختار هذا الطريق بإرادته، فاجأها.كلّ الكلام الذي قالته سابقاً لأبيه، وكل التحدي الذي أظهرته لعمه إبراهيم اختفى، صمتت تماماً، وأعلنت أنها تحترم رغبته، واحترم هو موقفها.
يعرف أنها متعلمة ومثقفة، لكنها في هذه المسألة بالذات عادت مجرد أنثى تغلي بالأمومة الأولى، أرادت الاحتفاظ بجروها بين أحضانها، لكنها بالمقابل حسمت أمرها حيال أبيه.
عندما أخبرته بطلاقهما، راح يحاول محاورتها، قالت له بحزم:
-لا تتدخل في هذا الموضوع بالذات بشار، إبقَ بعيداً عنه، هذا حسابٌ خاص بيني وبين أبيك أصفّيه.
كرةٌ مفاجئة تتدحرج بين قدميه، يسارع صبيٌ إلى التقاطها، يعتذر مبتسماً، الناس هنا لطفاء في الغالب، بمجرد أن يروك يسارعون إلى تحيتك، وهو أمرٌ سرّع من تآلفه مع المكان، لكنّه لم يستطع أن يقلل من حنينه إلى الأرض التي احتضنته طفلاً ويافعاً، وإلى حضن ليلى الدافئ الشهي، يشتاقها كثيراً هذه الأيام، لا تعجبه أحوالها، تعاني وتَأْلمُ منذ أسبوع تقريباً، لم تخبره إلّا البارحة، الرجل الذي تحبه بعد أن طلقت والده مصاب بحادث خطير، ورغم أنّ إحساساً خبيثاً بالتشفي قد زار صدره حين نقلت إليه الخبر، إلّا أنّ ألمها أزعجه، بقي يلح عليها، ويلح حتى انتزع الخبر من صدرها، لا تريد إزعاجه، وإلهاءه عن دراسته، لكنها لا تقدر الموقف تماماً، وكيف يشعر بمسؤوليته تجاهها.يحسُّ أحياناً أنه رجلها الذي تتكل عليه...
حاولت ليلى كثيراً أن تنقل أمواج الكره من نفسها إلى قلبه حيال أبيه، لكنها لم تفلح، بقي يحبّ ذاك الرجل بعمق، يحبه ويشفق عليه، أحياناً، في لحظات يحسّ أنه هو أبوه، تولّد ذلك في نفسه كفطر، نبت فجأة حين دخل عليهما في غرفة نومهما، يمنعه من التعدي يوماً عليها، بعد أن علا صراخها.
أربكه ذاك النهار، وجعله يبكي في ليله بعد أن خلا إلى نفسه في غرفته...... تقتربُ منه طفلةٌ صغيرةٌ شقراء لطيفة تلعق الآيس كريم يسيل من بين أصابعها، ترفعه أمام وجهه وتبتسمُ له كاشفةً عن أسنانها المكسوة بالكريما وبالشوكولا، يبتسم لها من قلبه، أحبّ ابتسامتها، بقعة ضوء شعّت خارج ذاكرته الملبدة، بقي ينظر إليها، من بعيد تبدو سيدة تلبس زيّاً رياضياً تناديها نيكول وتشير إليها، أمها على الأرجح، الصغيرة تبقى تبتسم له، وترفع كتفيها علامة على عدم رغبتها في المغادرة، تمتدّ أصابعه تداعب شعرها الحريري، يده الأخرى تشير للسيدة بلطافة، والابتسام يعلو شفتيه.سيعاود محادثة ليلى بعد قليل... القلقُ ينهشُ صدره عليها...


