كتاب " ناصـر 67 - شـهادة إسـرائيلية " ، تأليف: د.نبيل راغب ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية
وبهذا يعترف دايان أن المصريين كانوا حريصين وقادرين على الإمساك بزمام المبادرة برغم كل خسائرهم فى حرب الأيام الستة . فقد جمعوا بين الهجوم والدفاع فى آن واحد . وبرغم اشتعال الجبهة استطاعوا إعادة تنظيم جيشهم ، وعززوا أوضاعهم على الضفة الغربية من القناة من خلال خطة تجلى فيها العقل الحسابى والفكر الاستراتيجى عند عبد الناصر الذى أعلن فى أبريل 1968 أن «مرحلة تعزيز القوات بدأت» . وبعد خمسة أشهر ، صرح وزير الدفاع المصرى الفريق أول محمد فوزى بأن تلك المرحلة قد تمت ، وأن القوات المصرية انتقلت إلى المرحلة التالية : «الارتداد النشيط على العدو» . وكانت هذه المرحلة تتضمن عمليات تسلل ، وقصفًا مدفعيًا ، وإطلاق النيران على القوات الإسرائيلية بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر فى الأرواح والمواقع . وكان التخطيط الاستراتيجى لعبد الناصر واضحًا فى تجنب المصريين للقيام بعمليات هجومية ، واسعة النطاق ، تستهدف استعادة الأراضى المحتلة بعد يونيو 1967 ، إذ يبدو أن عبد الناصر قد أرجأها إلى مرحلة تالية . ولم يكن اشتعال الجبهة المتجدد هو السبب الوحيد فى قلق القيادة الإسرائيلية ، بل كان التصاعد المحسوب يؤكد أن الضربات المصرية لم تكن مجرد تقلصات لحفظ ماء الوجه ، بل كانت تطبيقًا لإستراتيجية طويلة النفس ، لا ترضخ للضغوط المتوقعة أو غير المتوقعة حتى لا تطيش ضرباتها ويتبدد مجهودها الحربى . وكانت إحدى ذروات هذا التصاعد المحسوب فى أوائل سبتمبر 1968 ، والتى يقول عنها دايان :
«وقد بلغت الذروة فى أوائل سبتمبر ، عندما فتح المصريون النار فى شمال القناة ، وقتلوا عشرة من رجالنا وجرحوا 18 ؛ وبعد أسبوعين ، قصفت مدفعيتهم مواقعنا على الضفة الشرقية ، طوال تسع ساعات ، متسببة فى خسائر كبيرة : 15 قتيلاً ، و34 جريحًا . وتحت ستار الليل ، أطلق المصريون عملية «كوماندوز» ، محاولين التسلل داخل خطوطنا المحصنة ، فاصطدموا بإحدى دورياتنا ؛ ونتج عن ذلك معركة ، دامت حتى الفجر ، وانسحاب المتسللين المصريين .
وفى اليوم التالى ، توجهت إلى المنطقة جوًا . وبدأت الجولة بتفقد قاعدة «كوبرا» ، التى قصفتها مدفعية العدو ، بصورة خاصة . فبدت المنطقة ، وكأن عاصفة قد ضربتها . وكانت قنبلة موقوته ، من عيار 160 ملم ، قد أحدثت فجوة فى غطاء الأسمنت المسلح للحصن الأساسى . وأصيب أيضًا الجزء الأكبر من التحصينات السطحية ، من غير أن تقع خسائر فى الأرواح . وكان الصدام بين المتسللين المصريين – وعددهم 15 رجلاً – ودوريتنا ، قد وقع على بعد حوالى كيلو مترين ونصف كيلو متر من «كوبرا» ، فتوجهت إلى الموقع حتى وصلت إلى مجنزرة نصفية معطلة ، احترقت فى أثناء القتال ، فنزلت من سيارة القيادة وتابعت طريقى سيرًا على الأقدام ، مع الحرص على تفادى الألغام ، التى زرعها المصريون ، وهم ينسحبون . وفى طريق العودة ، مررنا بالقرب من مدرعتين إسرائيليتين ، اصطدما فى الظلام ، فى أثناء عملية القصف . وكانت بقع الدم ، والمازوت ، وقطع ممزقة من القماش المحروق ، هى كل ما بقى من الحادث» .
أدرك دايان أن الحرب ستطول إلى أجل غير مسمى برغم تكاليفها الباهظة ، وأن اتفاقيات السلام أو اتفاقيات الهدنة على الأقل هى حلم بعيد المنال لأن الواقع الجديد الذى فرضته مصر على إسرائيل لا يبشر بأى سلام أو حتى استسلام ، ولذلك كان على الإستراتيجية الإسرائيلية أن تضع هذه العوامل المتجددة والضغوط المتصاعدة فى اعتبارها على المدى الطويل . وقد أبدت ملامح هذه الإستراتيجية تتشكل مع تعيين حاييم بارليف رئيسًا للأركان فى ديسمبر 1967 ، خلفًا لإسحاق رابين الذى عُين سفيرًا فى واشنطن . وبحث دايان مع الأركان فى إمكان تراجع القوات الإسرائيلية عن القناة ، بحيث تصبح خارج مرمى المدفعية المصرية ، وفى استخدام دوريات متحركة لمراقبة القناة ، أم فى بناء مجموعة من التحصينات الصغيرة ، تسيطر على الممر المائى ، مع تجهيز المؤخرة بشبكة مواصلات فعالة بحيث تقوم وحدة مدرعة مصغرة بمراقبة المسافة بين حصن وآخر ، فى حين تكون مجموعة القوات المدرعة فى القطاع على استعداد للتدخل السريع للمساعدة . ووافق حاييم بارليف على المشروع الأخير وتم اعتماده بالفعل .
ويتجلى الرعب الإسرائيلى من القوات المسلحة المصرية برغم تلقيها أبشع هزيمة فى تاريخها منذ نصف عام فقط ، فى الأسلوب الذى تمت به إقامة سلسلة من التحصينات الصغيرة ، تحيط بكل منها فسحة تتسع لبعض الدبابات ، وحولها سور حجرى . وقام سلاح المهندسين الإسرائيلى بتمهيد الطرق المسفلتة بين سلسلة التحصينات التى احتمت خلف تلال من الرمال ، بحيث يتعذر على المصريين رصد التحركات الإسرائيلية بين التحصينات التى جهز كل منها بخمسة عشر مقاتلاً . وكانت المهمة الأساسية لهذه المراكز ، هى مراقبة القطاع ، وتحريك قوات المؤخرة سواء المدرعة أو المدفعية أو الطيران .
لكن المصريين كانوا بالمرصاد لكل التحركات التى تهدف إلى تعزيز وترسيخ القوات الإسرائيلية ، حتى لا يفقدوا زمام المبادرة بحيث لم تتوقف المدافع والصواريخ وتسلل قوات الكوماندوز وزرع الألغام فى الأشهر الأربعة التى انتهت فى 13 يوليو 1969 على حد اعتراف دايان الذى يصرح بقوله :
«وقبيل إتمام خط بارليف ، استأنف المصريون حرب الاستنزاف . ففيما كنا نواصل العمل ليلاً ، فى بناء خط التحصينات ، ازدادت المبادرات الحربية . ففى خلال الأشهر الأربعة التى انتهت فى 13 يوليو 1969 ، خسرنا 29 قتيلاً ، وحوالى 120 جريحًا .... وبعد أربعة أيام قامت طائراتنا بقصف أهداف عسكرية بين القنطرة وبورسعيد . وقد دامت الغارة خمس ساعات ، فأسقطنا خمس طائرات معادية ، وخسرنا طائرتين» .
كان هدف دايان الأساسى الضغط على عبد الناصر بقدر الإمكان لعله يجبره على قبول هدنة تسترد فيها القوات الإسرائيلية فى سيناء أنفاسها اللاهثة المتقطعة ، ولذلك اقترح دايان على لجنة الدفاع الوزارية ، القيام بغارات جوية فى العمق ، على قواعد عسكرية مصرية . وبين يناير ومارس 1970 ، أغارت الطائرات الإسرائيلية على بعض القواعد فى العمق المصرى بهدف التأثير السلبى فى الروح المعنوية المصرية . وكان دايان سعيدًا بهذه المبادرة الإسرائيلية لظنه أنه وضع عبد الناصر فى مأزق لن يستطيع الخروج منه مما يعيد الأمل فى عقد هدنة مسلحة ، فقواته ليست على مستوى مواجهة مبادرات إسرائيل العسكرية . لكن دايان تأكد مرة أخرى أن عبد الناصر لن يقبل بأية هدنة من أى نوع ، ولن يجلس إلى مائدة محادثات السلام التى تحلم بها إسرائيل .
وكانت حنكة عبد الناصر السياسية لا ينضب لها معين . وسرعان ما خرج من المأزق الذى تصور دايان أنه وضعه فيه ، وذلك بسفره إلى موسكو فى يناير 1970 لأنه أدرك بحسه الاستراتيجى العميق أن إسرائيل ستواصل غارات العمق حتى تجبره على الاستسلام الذى فشلت فى تحقيقه فى أعقاب الخامس من يونيو 1967 . وكان لابد من إيقافها عند حدها ، فطلب فى مباحثاته مع القادة السوڤيت ، بلا عقد أو حساسيات هو فى غنى عنها ، إيفاد قوات سوڤيتية إلى مصر . واستجيب إلى طلبه . وبالفعل وصلت إلى مصر وحدات صاروخية ، وفى أول أبريل انضمت إليها ثلاثة أسراب من طائرات المطاردة بقيادة طيارين سوڤيت ، للدفاع عن أجواء القاهرة والإسكندرية وأسوان . كما تم قيام الخبراء السوڤيت بالإشراف على بطاريات سام – 3 المعقدة .
كان عبد الناصر بهذه المناورة السياسية البارعة قد نجح فى الانتقال بتداعيات المعارك العسكرية الجارية بين مصر وإسرائيل من المجال الإقليمى الضيق الخانق إلى المجال العالمى الرحب حيث يصبح من الممكن الضرب على الوتر الحساس المشدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوڤيتى . وهو ضرب خطر لأنه ينذر بمواجهة بينهما لا يسعى أحدهما إلى التورط فيها ، وهى مواجهة لا يمكن حصر تداعياتها وآثارها إذا ما وقعت . وبذلك لم تعد إسرائيل تهدد العمق المصرى بقدر ما أصبحت تهدد السلام العالمى . وكان عبد الناصر يدرك جيدًا أنه ليس فى وسع الاتحاد السوڤيتى رفض الاستجابة لطلباته ، لأن مثل هذا الرفض لا يعنى سوى تكسير سيقان الاتحاد السوڤيتى التى ظلت تحلم بالخوض فى المياه الدافئة ، والتواجد فى قلب العالم لمواجهة الامبريالية الغربية بصفة عامة والأمريكية بصفة خاصة . وتحول المأزق الذى صنعه دايان لعبد الناصر إلى مصيدة للطائرات الإسرائيلية بحيث يعترف دايان بخطورة المأزق غير المتوقع قائلاً :
«كنا جميعًا نقدر خطورة الوضع . فالمسألة ليست مسألة تحديد : من هو الطيار الأبرع ؟ بل هى مسألة الاستمرار فى السعى إلى تحقيق أهدافنا الأساسية ، وفى الوقت نفسه تجنب الصدام مع السوڤيت» .
لكن من الواضح أن دايان كان يحلم بتحقيق هدفين لا يمكن الجمع بينهما . ومن الواضح أيضًا أن عبد الناصر كان يضع هذه الصعوبة بل الاستحالة فى اعتباره ، فما لا يستطيع تحقيقه بالقوة العسكرية ، يمكن تحقيقه بالتخطيط السياسى . ذلك أن السياسية امتداد للحرب ، والحرب تطبيق للسياسة . فهما وجهان لعملة واحدة فى زمن الحرب ، تتمثل فى صمود الأمة فى مواجهة التحديات المصيرية التى تهدد كيانها .

