كتاب " ناصـر 67 - شـهادة إسـرائيلية " ، تأليف: د.نبيل راغب ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية
ولذلك كان الهدف الأول لفرقة شارون هو فتح المحور المركزى ، أى الطريق بين بئر سبع والإسماعيلية . وهو الطريق المقطوع بتحصينين فى كل من أبى عجيلة والقسيمة ، وهما فى الواقع تجهيزان دفاعيان ، كل منهما مستقل عن الآخر ، لكنهما يتساندان وتحتلهما الفرقة المصرية الثانية . كانت استحكامات أبى عجيلة تقطع الطريق مباشرة ، فى حين كانت استحكامات القسيمة تقع على بعد ثلاثين كيلو مترًا إلى الجنوب الشرقى . واستفاد شارون من درس 1956 حين هاجم القوات المصرية من الجنوب . فقد قرر فى 1967 أن يطبق على المواقع من الشمال والغرب والشرق ، بحيث تستدير قواته حول المواقع فى الشمال لتفاجئ المصريين وتبلغ بأسرع ما يمكن الطرق التى تمر خلف أبى عجيلة والقسيمة . وكان مخطط شارون ينهض على هجوم متناسق بين مختلف عناصر قواته ضد خنادق المصريين وتجمعات دباباتهم ومدافعهم ، بحيث تشن الهجمات من الشمال والغرب فى ظهر أبى عجيلة ، ومن الشرق فى المواجهة ، لخلق سلسلة من المفاجآت تقوم فيها كل وحدة مهاجمة بحماية جناح الأخرى . وإذا كانت العملية تعتبر فى نهاية المطاف شديدة التعقيد فإن دور كل لواء سيجمع بين البساطة والمشقة ، لكنه يظل بسيطًا سلسًا فى النهاية . وسر النجاح يكمن فى تنسيق وثيق جدًا بين مختلف الوحدات المهاجمة .
هذا نموذج من نماذج كثيرة شهدتها حرب يونيو 1967 ، وتوضح ببساطة شديدة لماذا انتصر الإسرائيليون على المصريين ؟! ومع ذلك ظلت المقاومة المصرية الباسلة تدافع عن مواقعها برغم عدم وجود خطة أو قيادة عليا تقوم بتوجيهها . يصف شارون هذه المقاومة الباسلة بقوله :
«استلمت رسالة من ناتكى الذى كان قد اخترق مؤخرة الجهاز الدفاعى المصرى المتجه شرقًا ، وكان يشكو من قذائف مدفعية تنهال عليه من الأمام دون أن يستطيع تحديد مصدرها. لذلك أمرت زيبورى ، الذى كان يهاجم بلوائه على طول الطريق فى اتجاه الغرب ، بإسكات مدافعه ، ثم سألت ناتكى إذا كان القصف لا يزال مستمرًا عليه ، فأجاب بنعم . حينئذ قلت له : «تستطيع الإطباق عليهم بقدر ما تريد . إنهم المصريون»» .
هكذا كان الصمود المصرى الذى تحول إلى هجوم برغم غياب القيادة . فمثلاً عند منتصف ليل الخامس من يونيو كانت القوة الإسرائيلية المتربصة بالنجدات المصرية قد أخذت موقعها مقابل القسيمة . وفى تلك الأثناء كانت الكتيبة المدعومة بدبابات السنتوريون تهاجم تحت إمرة ناتكى موقع أوكلند ، محور الجناح الشمالى المصرى . وعلم شارون من جهاز الاستقبال معه أنها تصطدم بصعوبات جسيمة لم تكن متوقعة على الإطلاق . وظلت المعركة متأججة منذ منتصف الليل حتى الساعة الرابعة فجرًا حين احتلت دبابات ناتكى الموقع المصرى بعد خسائر فادحة فى الأرواح . لكن ناتكى نفسه لم ينج من الضربات المصرية لأن عربته المصفحة أصيبت إصابة مباشرة بقذيفة مصرية سحقت ساقيه ، ونقل على أثرها إلى المستشفى ليمر بثمانى عشرة عملية جراحية جنبته بتر ساقيه لكنه فقد قدرته على المشى إلى الأبد .
كذلك فى حوالى الساعة الثالثة والنصف فجر السادس من يونيو سمع شارون عبر جهاز اللاسلكى صوت دانى مات قائد المظليين ، يطلب بيأس طائرات هيلوكوبتر لإخلاء جرحاه . وكان جهاز القيادة يلح بلا انقطاع فى معرفة مواصفات أرض الإنزال . فكل المنطقة كانت مضاءة بالانفجارات والقذائف ، ولم يكن فى وسع الطيارين التمييز بين دخان المظليين ودخان الوقود المشتعل . ولم يستطع شارون أن يرشد الهيلوكوبتر مباشرة بين الكثبان التى لجأ إليها دانى مات ، إلا بعد أن اخترقت عرباته القيادية جهاز الدفاع المصرى المستميت . ومع ذلك عجز قائد الهيلوكوبتر عن تلمس طريقه وسط الجحيم الذى صنعه المصريون فى المنطقة . كانت باقى طائرات الهيلوكوبتر فى تشكيله تدور فى المنطقة لعلها تحدد مكان المظليين الجرحى ، كل بجهده الشخصى ، وطال بهم الأمر حتى السابعة صباحًا حين وجدوا المظليين هائمين على وجوههم فى الصحراء وبينهم تناثر الجرحى الذين نقلتهم الطائرات مع القتلى لإسعافهم أو دفنهم .
أما عن بطولات الفرقة المصرية السادسة فيعترف شارون أنها كانت معسكرة قرب الكونتيلا وسرعان ما شقت طريقها إلى قلب الثقب لتعزل إيلات عن باقى إسرائيل ، ولولا سقوط أبى عجيلة والقسيمة لما اضطرت إلى القتال متراجعة على امتداد طريق متلا . واحتدمت المعركة بينها وبين قوات شارون الذى استمات فى ضربها لأنه كان يعلم جيدًا أنها إذا بلغت ممر متلا فإنها تستطيع أن تعرقل تقدم قواته نحو قناة السويس . وهى إذا كانت تقاتل فى العراء بهذه الشراسة برغم كل الإحباطات المحيطة بها ، فما الذى يمكن أن تفعله لو تمكنت من السيطرة على الممر ؟! يروى شارون ما جرى فيقول :
«وما كدنا نبدأ هذا السباق مع الوقت للحاق بالمصريين المنسحبين حتى بدأت المشكلات تتدفق . فالوادى الذى كنت أنوى اجتيازه للتوجه جنوبًا كان لا يزال موحلاً بعد الأمطار المتأخرة فى هذه السنة . وفيما كنا منشغلين بالمناورة لمغادرة الوادى بعد محاولة فاشلة لاجتيازه تعرضنا لنيران كثيفة من الصواريخ المصرية أحدثت بلبلة كبيرة فى صفوفنا . فدباباتنا وعرباتنا المصفحة كانت متمركزة فى أرض ضيقة نسبيًا وهى تجاهد للتخلص من الأوحال . وأقل ما يمكن قوله إن هذا القصف المصرى جاء فى أسوأ الأوقات ، مما اضطرنى إلى القفز على غطاء محرك عربتى بكل ثقلى فى محاولة لتقويمه لعلنى بهذا أضرب المثل لضباطى وجنودى على الهدوء الذى يجب أن يحل بدل الفوضى المستشرية» .
هكذا كان المصريون يقاتلون فى السابع من يونيو 1967 لدرجة أن شارون لم يجد مفرًا فى مذكراته من الاعتراف ببطولاتهم التى توهجت فى ليل الإحباط والتشتت والضياع الذى خيم عليهم . كذلك فنحن لا نجد أثرًا للعبقرية الإسرائيلية العسكرية التى طالما تباهى بها شارون وأمثاله من صقور إسرائيل ، إذ أن القوات الإسرائيلية برغم المكاسب التى أحرزتها فى غيبة القيادة المصرية العليا ، كانت ترتكب من الأخطاء الفاحشة ما يؤكد أن تلك العبقرية هى مجرد دعاية للاستهلاك المحلى والعالمى على حد السواء . فبعد أن أعاد شارون تنظيم صفوفه بصعوبة بالغة ، يقول :
«أمرت الألوية أن تأخذ طريقًا آخر أبعد قليلاً إلى الشرق . لكن مشكلة أخرى طرأت : ظهر طابور دبابات إلى الغرب منقضًا علينا وفاتحًا كل حمم مدافعه . عرفناه فورًا : كان لواء فرقة يوفيه ، عبر أبا عجيلة خلال المعركة . والأرجح أنه تابع تقدمه غربًا ثم انحرف إلى الجنوب والشرق على أمل شبيه بأملنا . قطع الطريق أمام المصريين المتهالكين على الوصول إلى ممر متلا ، وعندما شاهدنا رجال اللواء من بعيد ظنونا الفرقة المصرية التى يتعقبونها فهاجمونا بقوة» .
ومثل هذا الخطأ العسكرى الفادح ، ترتكبه الفرق أو الألوية عندما تكون واقعة تحت وطأة ضغوط متصاعدة ، تجعلها تبادر بالقصف لمجرد الشك الطارئ فى القوات المواجهة دون التيقن من هويتها ، لأن مثل هذا التيقن قد يستغرق زمنًا يفقدها زمام المبادرة ، خاصة إذا كانت قوات العدو لا تتوانى لحظة فى الضرب بمنتهى العنف والشراسة فى مبادرات خاطفة مثل تلك التى مارستها الفرقة المصرية السادسة فى مواجهتها . وقد يتساءل البعض عن السر فى عدم الاتصال لاسلكيًا بالفرقة الضاربة ، فيجيب شارون قائلاً :
«حاولنا تحذيرهم بالراديو لكننا فشلنا دون أن نتمكن من معرفة السبب . وتفاقمت الأمور بسرعة لدرجة أن إحدى كتائب المدفعية المواجهة لخط رميهم تلقت قذائف خطرة . وبدأ آمر لواء المدفعية بتوجيه مدافعه تحسبًا لمعركة ضد الدبابات ، وهو يواجه معضلة مؤلمة : الرمى على قوات إسرائيلية أو التفرج مكتوف اليدين على تدمير فوجه . أمرته ألا يطلق النيران ، لكننى كنت أسمعه عبر جهاز اللاسلكى أنه يتكبد خسائر : صحت مرتين : «لا تطلق النار !» ، ثم أمرت ضابط عملياتى أن يركب الجيب ويتوجه لملاقاة دبابات يوفيه ليطلعهم على سوء تقديرهم المدمر . كانت المهمة تتطلب شجاعة نادرة فى مواجهة مدافع الدبابات الفاغرة فاها . لكن المناورة نجحت فجنبتنا كارثة» .
وحتى فى يوم الجمعة التاسع من يونيو حين تحطمت القوات المصرية ولم يبق أمامها سوى الانسحاب بأسرع ما يمكن ، كان الجنود المصريون فى تراجعهم حريصين بقدر الإمكان على إنزال أية خسائر فى أية قوات إسرائيلية فى طريقهم ، وهذا ليس شأن الهاربين الذين يريدون بلوغ المناطق الآمنة بأسرع ما يمكن . يحكى شارون أنه كان على متن طائرة نحو بير تمادة فى الغرب حين أخبره الطيار أن عطلاً ما طرأ على المحرك ولابد أن يهبطوا .
يضيف قائلاً :
«حتى ذلك الوقت كنا نطير فوق الطريق لنبتعد عن مرمى المصريين المنسحبين المنطلقين بين الكثبان والنتوءات . ولكن بما أننا كنا نطير على ارتفاع منخفض أطلق علينا النار بعض الجنود المصريين فقابلناهم بالمثل حتى حطت الطائرة على الطريق ، وللحظة تساءلت ما عسى أن يحدث لنا . يالسخرية القدر القاسية : قبل أقل من ساعة كنت فى أمان بين أفراد فرقتى ، والآن أجدنى وحيدًا متروكًا بين مئات المصريين المسلحين واليائسين» .

