أنت هنا

قراءة كتاب السرد والاعتراف والهوية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
السرد والاعتراف والهوية

السرد والاعتراف والهوية

كتاب " السرد والاعتراف والهوية " ، تأليف د. عبد الله إبراهيم ، والذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
3.333335
Average: 3.3 (3 votes)
الصفحة رقم: 2

الفصل الأول

السيرة، والمنفى، والأوطان المتخيّلة

1· أوطان متخيّلة

تحدّث ميلان كونديرا في رواية الجهل عن (Nostalgia) بوصفه منفيًّا، فمن باريس كتب عن براغ، وهو يستعيد عالمًا تراجع بقوّة إلى الوراء فاستحال ذكرى· وأشار كونديرا، وهو يتتبّع المسارات الدلاليّة لـ(Nostalgia) إلى أنّ الجذور الأولى للكلمة يونانيّة، وهي مزيج نُحتَ من (Nostos) و(Algos) أي الرجوع المقترن بالشقاء، فالطرف الأوّل يحيل على العودة والانكفاء، فيما الطرف الثاني يحيل على الحنين والشغف والاشتياق والشوق المعذِّب الذي لا يحتمله المرء، بسبب العجز عن تحقيق الرغبة في الرجوع إلى المكان الأوّل·

ثمّ اتّخذ اللفظ في اللاتينيّة معنى النأي الذي يحول دون المعرفة، فيتسبّب في جهل مطبق بما يحدث في ذلك المكان، وما يتبع ذلك من إحساس عميق بالألم، أمّا في الإنجليزيّة فاستقرّت الدلالة على معنى الابتعاد عن الوطن، والحنين المشوب بالوجع في العودة إليه، فتكون الدلالة الأخيرة قد اقترضت كثيرًا من المعاني الإغريقيّة-اللاتينيّة للكلمة·

على أنّ المعنى اتّسع وتشبّع بدلالات حافة، فالمصطلح يتردّد في إيحاءاته بين حنين جارف للمكان الأوّل، وتوق إليه وجهل به وتخوّف من العودة إليه وتردّد، بل عجز عن عدم القدرة على اتخاذ أيّ قرار بشأن ذلك، فالبقاء بعيدًا عن الوطن يخلّف عذابًا متواصلاً وقلقًا مستمرًّا، والاقتراب إليه غير ممكن، فالمنفيّ منزلق في سفوح منحدرة لا سبيل له إلى الثبات ولا الوصول إلى نهاية محدّدة· وحينما تُحزم معًا كلّ هذه الإيحاءات القابعة تحت لفظ (Nostalgia) ينبثق المفهوم الشامل لفكرة الحنين، التي تشكّل اللبّ الحقيقيّ لأدب المنفى·

إثر إحدى محاضراتها سُئلت الروائيّة التشيليّة إيزابيل ألليندي عن معنى Nostalgia في رواياتها، فبُهتت، ثمّ صمتت مرتبكة ومتفاجئة، لكنّها استجمعت معلوماتها المعجميّة عن المصطلح بعجالة، فتداركت الموقف قائلة: هو ألمُ أن يرى المرءُ نفسَه غائبًا عن وطنه، هو الحزن الذي تثيره سعادةٌ مفقودة ثمّ عقّبت تشرح حالها المضطربة حينما طُرح عليها السؤال، وهي تفكّر بالجواب: قطع السؤالُ الهواءَ عنّي؛ لأنّني حتى تلك اللحظة لم أنتبه إلى أنّني أكتب كتمرين متواصل عن الاشتياق، طَوال حياتي كنت غريبة تقريبًا، وهو الوضع الذي أقبله؛ لأنّه لا خِيار آخر أمامي· وجدتُ نفسي مرّات عديدة مجبرة على المغادرة مُحطِّمة الأغلال، مخلّفة كلّ شيء ورائي، كي أبدأ من جديد في مكان آخر؛ فلقد جبتُ متغرِّبة طرقًا أكثر ممّا أستطيع تذكّره، ومن كثرة ما ودّعتُ جفّت جذوري، واضطُررتُ إلى أن أستنبتَ أخرى، استوطنَت الذاكرةَ لعدم وجود مكان جغرافيّ تستوطنه(1)·

وما دام الحديث ينصرف برمّته إلى أمكنة مفقودة فرضتها حالة النفي، فهل يمكن الحديث عن أوطان متخيّلة بالنسبة للمنفيّين، تكون بديلاً للأوطان الحقيقيّة؟ أجابت ألليندي نفسها عن ذلك في سيرتها الذاتيّة بلدي المخترع، وهي تصف شعورها بالاقتلاع إبّانَ مغادرة بلادها إلى فنزويلا عام 1975بعد نحو سنتين من الانقلاب العسكريّ الذي قاده الجنرال بينوشيت، ضدَّ الرئيس سلفادور ألليندي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973: منذ اللحظة التي عبرتُ فيها جبال الأند، ذات صباح شتويّ ماطر، بدأتُ دون وعي عمليّة اختراع بلد، عدتُ لأحلّق فوق الجبال مرّات كثيرة، ودائمًا أتأثّر؛ لأنّ ذكرى ذلك الصباح تهاجمني كما كانت حين رأيت مشهد الجبال الشامخ، فالعزلة المطلقة لتلك القمم البيضاء، لتلك الهوّات السحيقة، لتلك السماء العميقة الزرقاء، ترمز إلى وداعي لتشيلي· لم أتصوّر قطّ أنّني سأغيب كلّ هذا الزمن··سيطر عليّ الحنين منذ تلك الليلة الأولى، ولم يفلتني لسنوات طويلة إلى أن سقطت الدكتاتوريّة وعدتُ لأطأ أرض بلدي، خلال ذلك بقيتُ أعيش ناظرة إلى الجنوب، متعلّقة بالأخبار، منتظرة لحظة العودة بينما أختار ذكرياتي، أغيّر بعض الأحداث، أبالغ أو أتجاهل أخرى، أشذّب عواطفي؛ وهكذا رحتُ أشيّد شيئًا فشيئًا هذا البلد المخترع، الذي زُرعت فيه جذوري(2)·

أثارت إيزابيل ألليندي قضيّة الانتماء ومشكلة الهُويّة وتخيّل الأوطان، وهي أمور مهمّة بالنسبة للمهجريّن والنازحين والمترحّلين، وكلّ الذين غادروا بلادهم قسرًا أو اختيارًا، جماعات كانوا أم أفرادًا، أو أبعدوا عنها بسبب التجربة الاستعماريّة أو الاستبداد السياسيّ أو الدينيّ، أو بسبب ظروف تأسيس الدول في العصر الحديث، أو بسط الأيدلوجيّات المتشدّدة التي وضعت تمايزًا بين الجماعات على أسس عرقيّة أو دينيّة أو مذهبيّة أو قبليّة، أو أيّ تمييز آخر قائم على أساس المعتقد أو اللون أو العرق، فأدّى إلى النزوح عن المكان الأوّل، والانتقال إلى مكان غريب لم تعهده الجماعة أو يعرفه الفرد، وما يترتّب على ذلك من صعاب الاندماج في الحال الجديدة التي أصبحوا عليها، لكونهم لم ينسوا أعراف الجماعة القديمة التي تحدّروا منها، ولم يهضموا تقاليد الجماعة الجديدة التي رحلوا إليها· ومن بين هؤلاء المنفيّين لأسباب خاصّة بأوضاعهم الثقافيّة أو السياسيّة·

لا يستطيع المنفيّ الانخراط الكامل في المجتمع الجديد، ولا يتمكّن من قطع الصلة بالمجتمع القديم الذي ولد فيه، فيتوهّم صلة مضطربة وانتماءً مهجّنًا، ويختلق بلادًا لاحقته أطيافها في المنفى، فما إن يرتحل المرء أو يُرحَّل عن مكانه الأوّل حتى تتساقط كثافة الحياة اليوميّة وتنحسر وتتلاشى، وتحلّ محلّها ذكرياتٌ شفّافة تدفع به إلى نسيان الوقائع المريرة، وبمضيّ السنوات يبدأ المنفيّ في تخيّل بلاد على سبيل الاستعادة والتعويض، وهي أمكنة تتخلّق في ذاكرته كتجربة شفّافة وأثيريّة، يغذّيها شوق إلى أماكن حقيقيّة تلاشت إلاّ كومضات بعيدة في عتمة حالكة· ذلك هو الحنين بدلالته الفكريّة والعاطفيّة· حينما كتبت ألليندي سيرتها، تحدّثت عن طفولتها في تشيلي المتخيّلة، وليس عن حياتها في أمريكا حيث تعيش· ولكن كيف يقوم الحنين بمهمّة تخيّل الأوطان؟

وفي مقال له بعنوان أوطان متخيّلة عرضَ الروائيّ الهنديّ سلمان رشدي وصفًا لخلفيّات روايته أطفال منتصف الليل، ثمّ ربط النصّ بذكريات طفولته في بومباي، حيث استعاد نبذًا من أحداث متناثرة، ليجعل منها حقائق سرديّة كوّنت متن الرواية· لم يؤرّخ رشدي لانفصال شبه القارة الهنديّة إلى دولتين هما الباكستان والهند، إنّما ركّب حدثًا متخيّلاً من شتات الوقائع، فاستعاد ذكرى مزعجة لانشطار أمّة كبيرة إلى أمّتين متنازعتين بناء على تفسيرات ضيّقة للمعتقدات الدينيّة·

وقد علّق تيتز رووكي على ذلك بقوله: ربّما كان صحيحًا اعتبار الماضي وطنًا هاجرنا كلُّنا منه، وأن يكون فقدانه أو ضياعه جزءًا من إنسانيّتنا المشتركة كما يتصوّر رشدي، بيد أن الكتّاب الذين يعيشون مثله في المنفَى قد يمرّون بتجربة الفقد هذه أكثر من سواهم، لكن حتى أولئك الكتّاب الذين يؤرّقهم الشعور بالفقد والدافع إلى استعادة ما ضاع، إذا قرّروا أن ينظروا وراءهم، فلن يكونوا قادرين على استعادة الشيء الذي فقدوه بالتحديد، لكنّهم سوف يصنعون خيالاً بديلاً، ليس مدنًا وقرى حقيقيّة، وإنّما مدنًا وقرى غير مرئية، وأوطانًا متخيّلة، كما صنع رشدي هندًا متخيّلة في روايته(3)·

الصفحات