أنت هنا

قراءة كتاب بياض الليل سواد النهار

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بياض الليل سواد النهار

بياض الليل سواد النهار

كتاب " بياض الليل سواد النهار " ، تأليف غادة صديق رسول ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، من أجواء الرواية نقرأ:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 5

قبل يومين استيقظت سارة خاتون في دار فخم، في قرة سراي الموصل. لم تكن تشكو من شيء سوى فقدان ذاكرة شبه كلي، فهي لم تعد تذكر شيئاً غير اسمها، وقريبة واحدة تربطها بها صلة الدم. وسارة إذا ما كانت تشك باسمها فهي واثقة من اسم عمّتها: (زبيدة خاتون). كذلك عنوان سكنها الذي يجب أن تقصده في القريب العاجل، والذي يقع في آسكي موصل.

حاولت الاستعانة بخدم المنزل للحصول على أي ذكرى ولو واهية، لكن المرأة المكلفة إعداد الطعام ورعاية المنزل، أخبرتها أنها وفدت حديثاً من مدينة كركوك، وأن القائم على أعمال زبيدة خاتون في الموصل قد أجزل لها العطاء لتعتني بها جيداً، ريثما تغادر إلى منزل عمّتها.

قابلت فيما بعد الرجل الذي يعمل لمصلحة عمّتها، لكنه لم يقدم إليها أي معلومة تفيدها في إلقاء الضوء على ماضيها. شرح لها أنه كان مكلفاً بانتظارها، لكنه لم يستلم منها أي رسالة في السابق لكي يستقبلها. وأنها قدمت وحيدة من دون أي رفقة، أو حتى أمتعة، طرقت الباب قبل يوم واحد ليلاً، لتقول إنها سارة خاتون.

قررت سارة البحث عن طبيب ليشفيها، أو ليساعدها على فهم ما يحصل معها، فليس بأمر سهل أن يضيع الإنسان تاريخه، لكن الوقت لم يسعفها، فقد أصر الوكيل على سفرها العاجل إلى آسكي موصل، وهو يبلغها نبأ وفاة العمّة. كان الرجل محتاراً فعلاً، هل يترفق بهذه الشابة التي لم يسمع عنها شيئاً إلا قبيل أيام، هل يشفق عليها من الحزن؟ لكن الأنباء السيئة يجب أن تبلغ بأمانة حالها حال تلك السعيدة، ولا بد لهذه المرأة من السفر السريع رغم الضياع الذي يبدو جلياً عليها. كان الرجل حريصاً على الأمانة الموكلة إليه، فشرح لها بوضوح أنها يجب أن تصل البلدة بأسرع وقت، لأنها الوريثة الوحيدة لعمّة موسرة.

امتثلت سارة لنصائحه وأعلنت موافقتها على السفر بأسرع وقت. لم يقلقها الجو العاصف في الطريق ما بين الموصل وآسكي موصل. لم تشعر بالبرد لأنها كانت مشغولة في التفكير، ولأن المرأة التي تعمل في سراي الموصل كانت قد دثرتها جيداً، بملابس سميكة صوفية أخرجتها من دولاب ضخم، واستغربت كلتاهما أن الثياب كانت على مقاس المرأة الضائعة بالضبط، كأنها فصلت عليها.

حاولت سارة أن تتذكر إن كانت قد اشترت أياً من الثياب التي ارتدتها وفشلت في ذلك. حاولت أيضاً أن تعصر ذهنها جيداً، وأن تنتبه لكل مكان تمر بالقرب منه، وهي تطرح على نفسها سؤالاً وحيداً: (هل مررت من هنا قبلاً؟). لم يبدُ أي شيء مألوفاً بالنسبة إليها، لكنها حين دخلت البلدة التي يغطيها الثلج بمعطف أبيض، كانت شبه متأكدة، أنها عاشت هنا سنيناً طوالاً.

منزل المزرعة التي تقع عند أطراف آسكي موصل، بدا مألوفا أيضاً. مزرعة الكروم، وحديقة المنزل بدت لها مثل مكان أمضت فيه وقتاً ليس بقصير. لاحقاً حين ستتجول المرأة التي نسيت كل شيء، في البلدة وما يحيطها من جبال ومزارع، ستتذكر أنها قد رأت كل هذا في الماضي البعيد، لكنها لن تستعيد أحداث تلك الأيام، ولا حتى تفاصيلها، ونكهتها.

يعمل في مزرعة العمّّة المتوفاة سائس يعتني بالخيول، وهو يعيش داخل غرفة صغيرة ملحقة بإسطبل الخيل، وامرأتان مسؤولتان عن العناية بالمنزل الضخم الذي شيد من الحجر، وهما تعيشان داخل غرفة صغيرة ملحقة بالمطبخ، إضافة إلى عائلة تسكن داراً طينية يعتني رب الأسرة بمزرعة الكروم الشاسعة التي تعود ملكيتها للخاتون الموسرة، التي صادف أنها عمّة سارة.

* *

الصفحات