كتاب " حيفا برقة - البحث عن الجذور " ، تأليف سميح مسعود ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب حيفا برقة - البحث عن الجذور
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حيفا برقة - البحث عن الجذور
طفت في أوراق كتابي هذا في مدارات كثيرة، أدخلت فيها الزمن الماضي بالحالي، واستحضرت وجوهاً عزيزة على قلبي رحلت قبل زمن طويل.. لاقيت الوجوه بالوجوه في سطوري، ولامست أياديها الدافئة خبايا حروفي، أعدت معها إحياء كلمات كنت أسمعها في أحاديثهم، كانت تدور بين أمي وأبي، وبين أبي وأصدقائه، أعدتها بتوصيل مرآتي بانعكاسات مرايا أيامهم.. شكلت لي قاعدة ذهنية تعج بصور وأحداث كثيرة، هي العتبة الأساسية في سطوري.
وأياً كان الأمر، فما تقرأه عزيزي القارئ في كتابي، ليس أكثر من خيوط رفيعة أستلها من أيامي الماضية، آمل أن ترضيك، وأن أساهم بها في رسم شظايا أجزاء موجزة من جذوري في بلدي، تمتد على اتساع المكان في مسقط رأسي حيفا، وفي قريتي بُرقة، تمتلئ بدفء الشمس وبما تزفره أتلام الأرض من أشجار وزهور رائعة، وتنطق بحبي وهيامي لوطني، وتعيد رسم صور كثيرة مختلطة ومتشابكة لوالديّ ولوجوه أناس معهم كانوا ذات يوم حولي.. عملت على حشدهم في سطوري مشكلين دائرة كبيرة، أعدت أحاديثهم فيها وما قالوه قبل سنوات طويلة على الرغم من تباعد الزمان والمكان، فارقتهم عندما كنت في العاشرة من عمري، وها أنذا الآن في الرابعة والسبعين من عمري، ألتقي بهم على صفحات كتابي، أعيدهم ثانية إلى حيفا وبُرقة في غمرة عاطفة لا حد لها.. أعيدهم إلى أرض لنا عشنا فيها أياماً تأبى النسيان.
وأخيراً يبقى عليّ واجب التقدم بالشكرإلى الأصدقاء الذين شجعوني على إنجاز هذا الكتاب وأخص بالذكر منهم: عبد الكريم أبو شنب وبطرس حجارة وصفوان البخاري وطارق قديس ومحمد حسين الأطرش ودعاء الدحلة وخضرة أحمد نعيم.
المؤلف
مونتريال، عمان، في أوقات متقطعة من
عامي 2011، 2012.
(1)
يتسع مدى الذاكرة، وتشتد وطأة حيفا فيها، أضواء جميلة تلوح من مدينتي الأثيرة، تحملني أفكاري وتطوف بي في كل أرجائها، أستدفئ بها، أشعر بأنفاس بحرها الدافئة، أعبر دروبها سيراً على الأقدام إلى ما بعد ساحة الحناطير (الخمرة) ووادي الصليب، أواصل التقدم صعوداً عبر درج طويل متعرج، أواصل الصعود وسرعان ما أجد نفسي في أعالي الكرمل.
أجلس عند قمته على مقربة من غلالة أشجار خضراء باسقة تزين المكان، أتبين منها بسهولة شجر الصنوبر والسرو والسنديان والبلوط والزعرور والكينا والخروب، وبراعم اللوز والعنب والخوخ والتفاح، أواصل التأمل فيها، أرى أغصانها بألوانها الرقيقة تتمايل بهدوء بفعل رياح خفيفة، وعلى امتداد الأرض أرى أزهار الدحنون والنرجس وشقائق النعمان، لم أرَ لألوانها مثيلاً في أي مكان.
أنصت لصدى أصوات تنبعث حول تلك الأشجار والزهور البرية، تأتيني من أيام أخرى بعيدة، أصوات هادئة مترعة بالسعادة تمتزج في ذهني.. أواصل التأمل، وتستيقظ الذاكرة على صور لبيوت حيفا الحجرية البيضاء ولشوارعها وأزقتها، أشكلها كما كانت عليه في أربعينيات القرن الماضي، أراها في مكانها بين البحر وجبل الكرمل، واستنشق منها شيئاً من أيامي الماضية.

