كتاب " حيفا برقة - البحث عن الجذور " ، تأليف سميح مسعود ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب حيفا برقة - البحث عن الجذور
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حيفا برقة - البحث عن الجذور
أراها في عينيّ من جديد، أشد امتلاءً وصفاءً وأكثر قرباً.
أطوف فيها وأستشعر المزايا التي جعلت منها قبل قرابة سبعين سنة خلت مدينة فريدة.
نعم كانت حيفا في ذلك الزمن على امتداد سنين طويلة تضفي مزايا جديدة باستمرار على مشهدها العام الذي عُرفت به.. انفردت بمزايا اقتصادية وثقافية وعمرانية كثيرة جعلتها تعيش ازدهاراً منقطع النظير؛ متميزة عن كثير من المدن الأخرى القريبة منها.. حولتها إلى مدينة كوزموبوليتانية بكل معنى الكلمة ؛ صورة مصغرة لمجتمع متعدد المنابت والأصول، توفر سبل عمل كثيرة متشابكة لأهل فلسطين، ولغيرهم من سكان الدول العربية الأخرى المجاورة لها وغير المجاورة.
كان الكثيرون يلجأون إليها للعمل، ينضمون على التوالي إلى سكانها، تمتلئ بهم، كانوا يأتون إليها من شرقي الأردن وسوريا ولبنان ومصر حتى من دول المغرب العربي، ومن روسيا وألمانيا وإيران والبوسنة وكازاخستان وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
شبَّت فيها أجيال من منابت ومشارب مختلفة من الوافدين إليها بعلاقات اجتماعية مترابطة مع أهل البلاد ؛ يسودها جو من الاحترام والتعايش المشترك.. عملوا في كل مراكز حيفا وأنشطتها وعاشوا كأبنائها وساكَنوا أهلها في أجزاء منها هنا وهناك، في كل أحيائها وشوارعها والضواحي القريبة منها.
أستدرك الآن فيما أستغرق في حلم اليقظة، وأفتح قوساً مبيناً أنَّ لاجئي حيفا لا يُعاملون في كثير من الدول العربية بما يمليه واجب الضيافة العربية، كما كانوا يعاملون العرب في مدينتهم.. يعيشون في ظروف معيشية زريّة وغير إنسانية، حتى ولا يحق لهم ولغيرهم من لاجئي فلسطين العمل بحكم القانون اللبناني في أكثر من 70 وظيفة، ولا يحقّ لهم التملك حتى لو كان قبراً !
وأياً تكن الأسباب الحقيقية لما يجري لهم منذ ما يزيد على ستة عقود من الشتات، فإن الذي يقترف بحقهم من الكبائر.
أغلق القوس الآن وأنا أحاول تجاهل غصة في حلقي، وأعود لتبيان أسباب ازدهار حيفا وتألقها وامتلائها بالفرص الواعدة فيما مضى، تنجرف أفكاري الآن في مونتاج من الصور التي تلمع في ذهني مثل أفلام صامتة.
أقلبُ أوّل صورة منها، أجدها تجسد الخط الحديدي الحجازي، حيفا – درعا. فيها نُصب تذكاري شُيّد عام 1905على مقربة من مسجد الجرينه ؛ يظهر فيه رسم لقطار بخاري وشعار الدولة العثمانية، ويعتبر هذا الخط عتبة أولى في مسار ازدهار حيفا الاقتصادي، فقد ساهم في ربطها بدمشق والمدينة المنورة بأهمّ شبكة لنقل الركاب والسواح والحجاج والبضائع.
بفضل هذا المشروع الحيوي، وخط سكة حديد حيفا – القنطرة المصرية، الذي تم مده جنوباً نحو مدن فلسطينية كثيرة إلى مصر، تم زيادة حركة المسافرين والاستيراد والتصدير عبر حيفا، وزيادة الضغط على مينائها، مما أدى إلى بناء ميناء جديد قادر على استقبال أعداد كبيرة من السفن، له قدرة استيعابية تخزينية كبيرة لحفظ البضائع.
وفيما كان الدور الحيوي لشبكة الخطوط الحديدية وميناء حيفا الجديد يتصاعد في فلسطين وكل الدول المجاورة لها، سرعان ما زاد الطلب على الأيدي العاملة من داخل القرى والمدن الفلسطينية والدول المجاورة، وتحولت حيفا إلى بؤرة عمل هام في المنطقة العربية، حتى إنّه أطلق عليها لقب «أم العمل»، وأصبحت بهذا مركزاً اقتصادياً بلغ مدى كبيراً في أوائل سنوات الانتداب البريطاني لفلسطين، ميناء مزدهراً ومدينة نابضة تنتشر فيها مصانع الإسمنت والأسلاك الكهربائية والتبغ والغزل والنسيج وأعمال البناء والمحلات التجارية والأسواق والفنادق وكل الأنشطة المرتبطة بالسياحة، ويتجه فيها عدد السكان إلى تزايد مستمر بسبب الهجرة الداخلية والخارجية معاً، ويأتيها الزوار والسياح من كل مكان.

