كتاب " التصميم العظيم " ، تأليف مجموعة مؤلفين ترجمه إلى العربية أيمن أحمد عياد ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب التصميم العظيم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

التصميم العظيم
الفصل الأول
لُغـزُ الوجود
يُوجدُ كلٌّ منَّا لفترة وجيزة، نستكشف خلالها جزءًا ضئيلًا من الكون وحسب. لكنَّنا كبشرٍ كائناتٌ فضولية؛ نحن نتساءل ونُفتِّش عن الأجوبة. نحيا في هذا الكون الهائل الذي يُعدُّ بدوره رحيمًا وقاسيًا في الوقت نفسه ونُحدِّق للأعلى باتِّجاه السماوات الشاسعة. وعادةً ما يسأل الناس عددًا من الأسئلة مثل: كيف يمكنُنا فَهمَ العالم الذي وَجَدنَا أنفسنا فيه؟ كيف يتصرَّف الكون؟ ما حقيقةُ الواقع؟ من أين أتى كُلُّ ذلك؟ هل الكون كان بحاجةٍ لخالق؟ معظمنا يمضي وقتَه في قلق بشأن تلك الأسئلة، لكنَّنا جميعًا قلقون بشأنها بعضَ الوقت.
كانت تلك هي الأسئلة التقليدية للفلسفة، لكنَّ الفلسفة قد ماتت ولم تحافظ على صمودهما أمام تطوُّرات العلم الحديثة، وخصوصًا في مجال الفيزياء. وأضحى العلماء هم مَن يحملون مصابيح الاكتشاف في رحلة التنقيب وراء المعرفة. يهدُفُ هذا الكتاب إلى تقديم الإجابات التي تفرضها الاكتشافات العصرية والنظريَّات العلمية الحديثة. كما يُوصِّلُنا لصورةٍ جديدةٍ عن الكون وعن موقعنا فيه بشكل يختلف كُلِّيًّا عن تلك الصورة التقليدية، ويختلف حتَّى عن الصورة التي قد نكون رسمناها منذ عَقدٍ أو عَقدين فقط. إلَّا أنَّه، يمكنُنا تتبُّع المخطَّطات الأولية لهذا الفَهم الجديد لما يقرُب من قَرنٍ مَضَى تقريبًا.
طبقًا للمفهوم التقليديِّ عن الكون، فإنَّ الأجسام تتحرَّك وَفقًا لمساراتٍ وتواريخَ محدَّدة تمامًا، فيُمكننا تحديدَ موضعِها الدقيق في كلِّ لحظةٍ من الزمن. ومع أنَّ هذا التفسيرَ يصلحُ بما يكفي للأغراض اليومية، إلَّا أنَّه في ثلاثينيَّات القرن العشرين بدا أنَّ تلك الصورة "الكلاسيكية" لا يُمكنُها تفسير ما يبدو سلوكًا عجيبًا يمكنُ ملاحظتُه على المستويات الذرِّية وما دون الذرِّية. وبدلًا من ذلك، كان ضروريًّا أن يتمَّ تبنِّي إطارٍ مختلِفٍ، يُسمَّى بفيزياء الكمّ. وقد انتهى المآل لأن تصبحَ نظريَّات الكمّ صحيحةً بشكلٍ ملحوظ، وذلك لتنبُّئِها بالأحداث التي تجري عند هذه المستويات، بينما تعيد إنتاج تنبُّؤات النظريَّات الكلاسيكية القديمة أيضًا، عند تطبيقها في عالم الحياة اليومية الكبير. لكنَّ الفيزياء الكمومية والكلاسيكية تقومان على مفاهيمَ مختلفة جدًّا عن الواقع الماديِّ.
يمكنُ صياغةُ نظريَّات الكمِّ بعدَّة طرق مختلفة، لكنَّ أكثرَ وصفٍ قد يكون متَّسقًا مع الحدس العامِّ، ذلك الذي قدَّمه ريتشارد فاينمان Richard Feynman، وهو شخصية ضاحكة مبهجة وكان يعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ويعزف على طبلة البونجو في ملهى ليلي لعروض الإستربتيز بجوار نفس المعهد على قارعة الطريق. طبقًا لفاينمان، ليس لدى النظام تاريخٌ واحدٌ فقط، بل لديه كلُّ تاريخٍ ممكن. وخلال بحثِنا عن الأجوبة، سنقوم بشرح مقاربة فاينمان بالتفصيل، وسنوظِّفُها لكي نوضِّح فكرة أنَّ الكون ذاتَه ليس له تاريخٌ واحدٌ، حتَّى إنَّه لا يمتلك وجودًا مستقلًا. تبدو هذه الفكرةُ، فكرةً ثوريةً حتَّى بالنسبة للعديد من الفيزيائيِّين. ففي الواقع، كما في العديد من مفاهيم العلم المعاصرة، يبدو أنَّها تنتهك التقدير العام common sense. لأنَّ الحسَّ المشترك ينبني على تجاربنا اليومية - وليس على هذا الكون كما يتبدَّى لنا من خلال أعاجيب التكنولوجيا - كتلك التي تسمح لنا بالتحديق عميقًا داخلَ الذرَّة، أو الرجوع حتى بداية الكون.
"المعادلة الرياضية.. تلكَ هي فلسفَتي"
حتَّى مجيء الفيزياء الحديثة، كان يُعتقد بشكل عامٍّ أنَّ هناك إمكانيةً للحصول على كافَّة أنواع المعارف عن العالم من خلال الملاحظة المباشرة. فالأشياءُ هي ما تبدو عليه كما نستشعر ذلك بإحساسنا. لكنَّ هذا النجاح المذهل للفيزياء الحديثة، المبني على مفاهيمَ كمفاهيم فاينمان التي تصطدم بتجاربنا اليومية، قد أوضح أنَّ هذا ليس هو الحال. وهكذا فإنَّ الرؤية الساذجة للواقع لا تتوافق مع الفيزياء الحديثة. ولكي نتعامل مع تلك التناقضات سوف نتبنَّى مقاربةً نُطلق عليها الواقعية المعتمِدة على النموذج model-dependent realism. والتي تقوم على فكرة أنَّ أدمغتَنا تُترجم الإشاراتِ الواردةَ من أعضائنا الحسِّيَّة بعمل نموذج للعالم. وعندما ينجح هذا النموذج في تفسير الأحداث، نميلُ لأن نعزوَ إليه، وإلى العناصر والمفاهيم المُكوِّنة له، نوعيةَ الواقع أو الحقيقةَ المطلقة. لكن قد تكون هناك طرقٌ مختلفة، يمكن خلالها للمرء أن يضع نموذجًا للوضعية الفيزيائية نفسها، ويوظِّف فيها مفاهيمَ وعناصرَ أساسيةً مختلفة. فلو كان تنبُّؤُ النموذجين أو النظريَّتين الفيزيائيَّتين بنفس الأحداث دقيقًا، فلن يستطيع أحدٌ القول إنَّ أحدهما أكثر حقيقية من الآخر، وبدلًا من ذلك سيكون لنا مطلق الحرية في استعمال النموذج الأكثر ملاءمة.

