أنت هنا

قراءة كتاب مكر الكلمات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مكر الكلمات

مكر الكلمات

كتاب " مكر الكلمات " ، تأليف ياسمينة خضرا ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

طويلاً.
فيليب أولّلي لابرون، ممثل البرلمان الدولي للكُتّاب، جالس إلى يميني. ابتسم. أيدرك قلقي؟ أشكّ في هذا: لديه هموم مغايرة. من جهتي، ينتابني بعض حزن بسبب إفسادي لاحتفالاته في نهاية العام، مجبراً إياه على قطعها ليس إلاّ لمرافقتي. كان ذهب مع عائلته الصغيرة إلى أصدقاء في قرية صغيرة تبعد مئة كيلومتر عن كويوكان حيث يقطن لأنه يودّ استعادة نشاطه في ذاك المكان إثر مضايقات من مثقفين محلّيين استقبحوا أن توكَل كازا ريفوجيو (Casa Refugio) إلى غرينغو (شخص من أميركا اللاتينية) على الرغم من أنه أيضاً ليس روائياً، في حين أنّ الكتّاب المحليّين يلحّون على تعهّدها. مؤدّياً دوره جيداً أميناً للصندوق، تمسَّك فيليب بمهمّاته بجميع وسائل دفاعه لتشغيل شعراء متهرّبين. لكن ليس عناده ما يدفعه إلى الابتسام، ولا غدر حلفائه الطبيعيين، بل لأنه ينتظر مولوداً ؛ وينتظر، بحكمة، أن أذهب كي يعود إلى رفقة مارتا التي يرهقها الحمل.
لقد بذل جهده لجعل إقامتي المكسيكية أقل معاناة، نظراً لأنه علم أنّ إقامتي في فرنسا ستتبدّد على مشاكل إدارية، فعرض عليّ فوراً أن يستقبلني، ولم يرَ سكريتير الـ PIE كريستيان سلمون في الأمر سوءاً. فمن ناحية، يؤمّن نفوذ فيليب له هامشاً للتحرّك؛ ومن أخرى يظنّ أنّ منفى موقتاً نائياً قد يمنحني مسافة كافية للقيام بجردة لحياتي الغريبة ومراجعة قَدَر غير معقول، لكنّ مكسيكو بعيدة جدّاً عن هذه الجزائر الطيّبة العتيقة المقدّسة التي يتسبّب الابتعاد عنها بالدوار. إنني أفتقد أهلي، وأيضاً عاداتي الصغيرة.
ومع ذلك، فأنا سعيد بالذهاب...
ـ أين؟
كنت أقفز، أنظر حول الطاولة: فيليب منغمس في تعليقاته، طفلي مأخوذ في حركات أصابعه البهلوانية؛ أولادي مسترخون بعدما شربوا عصير التفاح؛ أن زوجتي فأخذت تتساءل اذا ما كانت نسيت شيئاً في المنزل...
ـ أين؟ صرخ الصوت من جديد.
أعود: إنّ نبل زان من غشمات بات لا يتعدّى نبل كلب أصيل يقف خلفي، فخوراً بوجه به قبح الجرذ، وبنظرة سوءٍ وتكشيرةٍ مقلقة.
زان أحد أهمّ المناهضين لروايتي حملان السيّد . ولأنّه قزم، مبروم، ويتيم، تعرّض للمضايقات والسخرية إلى أن سيطر التطرّف الاسلامي على بلدته ثمّ اقتاده إلى حيث عذابات القتل الجماعي والعبثيّات، فانتقم للبؤس الذي كان تسبّب له به أهل "غشمات" بمكرٍ عصي على التصديق، أما الرسائل التي لا تنفكّ تصلني من قرّائي، بعد أربعة أعوام على صدور الكتاب لدى جوليار، فإنها لا تتحدّث سوى عنه وحده. ونظراً لأن الجميع واثقون من أنّه سيلازمهم طويلاً، لذلك، فإنهم يتضرّعون إلى السماء ألّا يصادفوه في طريقهم.
انحنى عليّ، اضطهدني قائلاً:
ـ أين يمكن للكاتب أن يذهب؟ أيذهب فعلاً إلى مكانٍ ما حين يهرب من بلده؟
ـ لا يهرب أحدٌ من بلده. لا يهرب المرء إلّا من نفسه، من حقيقته أو من نكبته، كأنّ الروح يضيق بها جلدها فتحاول الخروج منه.
ركلتني زوجتي من تحت الطاولة.
ـ توقّف عن مناجاة نفسك، تذمّرت قائلة بصوت خافت، لكنه حازم كفاية لايقاظ فيليب.
تنبّه هذا الأخير إلى أنّه يوشك أن يغفو، فجلس ملقياً نظرةً على ساعته.
قال مداراةً لحساسيتها:
ـ النادلة تتأخّر.
ـ إنها تنسانا.
بحث عنها، فوجدها في آخر الغرفة، فبادرها بإيماءات لافتة، فأشارت إليه وهي ترتدي مريولها الأزرق بأن يصبر، واستدارت نحو زبائن آخرين.

الصفحات