أنت هنا

قراءة كتاب مكر الكلمات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مكر الكلمات

مكر الكلمات

كتاب " مكر الكلمات " ، تأليف ياسمينة خضرا ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 4

لقد حضر إدوار غليسان من كاليفورنيا لاحياء سلسلة محاضرات، عازماً على عدم إجهاد نفسه سدىً، وكان يشاركنا مائدة دعانا إليها فيليب أولليه-لابرون حيث كنا "ننقد" الطعام مشدودين إلى نكات الشاعر الكولومبي المدهش آلفارو موتيس، وهو صديق حميم لغارسيا ماركيز، والذي يعتبر واحداً من أهمّ الأقلام الخمسة في أميركا اللاتينية، وبمشاركة من بعض النساء، وبينهنّ سيلفي زوجة إدوار بحيث جاءت مداخلاتهنّ الخافتة وضحكاتهنّ الذكية لتضفي على عشائنا بعض الاحتفالية.
أما إدوار غليسان الذي كان يسترسل في تقطيع المقانق أمامه ثمّ يبلّلها بالعصير ويمضغها بأناقة فكان يسدّد اليّ نظرة أبنوسيّة ويروي:
ـ تعرّفتُ إلى كاتب ياسين في باريس بداية الستينيات. إنه رجل محترَم. (امتلأت عيناه بظلال ذكريات مؤلمة)، وأذكر أنني أنا من اضطلع بتقديم مسرحيته. كنا خرجنا للتوّ من الحرب الكولونيالية حيث استمرّت الانقسامات بين المجموعتين. اذاً، كان بديهياًً أن تنزل على رأسنا رسالةُ تهديد تضمنت إنذاراً بأنّ أوّل من سيظهر على الساحة سيُقتَل. ربت ياسين بفرح على كتفي ودفعني نحو الخشبة. "إذهب يا إدوار بما أن الأمر على هذا النحو. لن تكون أبداً سوى شهيد آخر للثقافة". كان يتمتع بدرجة عالية من الفكاهة، لكن مزاجي لم يكن ملائماً للفكاهة تلك الليلة. صعدت اذاً إلى الخشبة وانتظرت، بتسليم توراتي، ألا يحدث سوء.
ابتسم بحزن، ففهمت شعوره، لكنني امتنعت عن التفكير بأن الأدب الجزائري يرتوي خاصةً من مناهل العنف.
حمل غليسان كأسه إلى شفتيه بطريقة ملكيّة، وكان انتقل من هنا إلى مكان في ذكرياته حيث استحوذته محطّة تأمّلية.
عاود ألفارو موتيس ممازحاته مقهقهاً بشيء من التشنج. إنه رجل ضخم، يتكلّم عن البوهيميا التي تنتظرني بجدارياتها وطيشها، بسخائها وعقوقها، حيث ارتدادات الاطراء تُخرِس غالباً أفصح الخطباء؛ حركتان من وجه ألفارو، رماني بعدهما بنظرة ودودة. كان يعرف أنني كاتب، وأنني آتٍ من بلد حيث يتصارع الموت والدسيسة، وكان عليه أن يتساءل ماذا يمكن أن يغيّر طائش مغفّل مثلي ذو عيون غارقة في الرأس مثل أفكار دفينة.
أعود إلى معاكسة السيد غليسان، المتحمّس ككشفيّ يسرح في الطبيعة.
ـ هل سمعت بياسمينا خضرا؟
قال إدوار منحنياً بقوة على صحنه:
ـ قرأت له.
ـ وما رأيك؟
ارتسمت برطمة على شفتيه وحركة بديهية من رأسه يمنة ويسرة؛ المغمورون لا يثيرون حماسته. فكرت لحظة أن أكشف له أنني ياسمينا، لكن فات الأوان، لأنه كان قد رفع القناع قبل إبداء الاعتراض. أسفت لياسمينا خضرا. فإذا كان مرجع كإدوار غليسان يتحفّظ عن الكلام، فذاك يعني أن خضرا لم يُقنع..
لم ألحّ، إذ ربما ستضيء باريس فانوسها.

الصفحات