أنت هنا

قراءة كتاب مكر الكلمات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مكر الكلمات

مكر الكلمات

كتاب " مكر الكلمات " ، تأليف ياسمينة خضرا ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

2

أقلعت البووينغ وهي تحمل على متنها، قلّةً من الركاب، مما سمح لنا بالجلوس حيثما نشاء...
وحدهم المقتَلَعون من جذورهم يسافرون يوم رأس السنة؛ فبين المقاعد كانت غزلان ومحمد يدوران كفراشات، أما حسنيّة فكانت في حضن أمّها، تبحث عنّي من فوق المسند، فأبادرها بحركة من وجهي؛ إنها تغمرني بالسعادة. لقد أبصرت النور يوم بلوغي الخامسة والأربعين؛ وفسّرت مجيئها غير المنتظر على أنه إشارة: لقد تزامن مولدها مع الوقت الذي تخليت فيه عن مسيرتي العسكرية وانصرفت جسداً وروحاً إلى الدعوة الوحيدة التي طالما عنت لي، وهي الأدب.
منحتني المضيفة ابتسامة حلوة، دغدغت شعر طفلتي واتجهت نحو راكب منكبّ على مطالعة جرائده ويبدو عليه مظهر البيتنيكس. إنه ألماني يقبّل رفيقته على مرأى من ابنتي التي سارعت بمزيج من الذهول واللهو إلى حجب عينيها بيديها الاثنتين، أما محمّد فقد تصرّف كبكر وقور غير معير أيّ اهتمام للعاشقين المراهقين. ارتحت لاستنتاجي أنّ السفر لم يصبْه بالاضطراب. وفي العاشرة من عمره، كانت آية قرآنية تثيره على غرار النشيد الوطني. وكان كلّما لمح رمز بلده في مكان ما، بدا كأنه أمام مشهد مقدّس. لكن، ماذا عرف عن بلده؟ في سن الثالثة، وجد في خضمّ تبادل لإطلاق النار بين قوى الأمن والمتطرّفين الفارين من سجن مرس الكبير العسكري. وفي الرابعة، وأثناء قيام أمه بنشر الغسيل على الشرفة، شهد نحر جندي شاب أمام بنايتنا على أيدي متطرفين كانوا قد اختطفوه. لذلك، فقد تعلّم منذ صغره، الامتناع عن القفز في الحقول حيث تعبث ذئاب بشرية مجنونة، وكذلك في الغابات حيث ينتظره خطر الموت بانفجار قنبلة يدوية؛ وفهم أنه نظراً لكونه ابن جنديّ فهو معرّض تلقائياً للشقاء.
حاولت إقناعه بأنّ المستقبل لا بدّ سيبتسم له؛ لكن عبثاً، حيث كان رفاقه يسخرون منه، والشائعات الكابوسية المغرضة تهزم أوهامي. وكان كلما فاجأني مرة، وأنا أحزم أمتعتي العسكرية، يدرك أنني ذاهب في مهمة فيأخذ بالبكاء. وعلى غرار جميع أطفال الجزائر، تعايش مع هول خبر عبثي قد يحيله يتيماً.
في مكسيكو ـ أي على بعد آلاف الكيلومتلرات من رمال الجزائر ـ وكلما ذهبت ليلاً للصلاة في جامع بولانكو، يكاد لا يغمض له جفن قبل عودتي. وغالباً ما كنت أظنّه يغطّ في نوم عميق، لكنه كان يباغتني في تأمّلي ويقفز عليّ فيضمني بقوة ليتأكد من أنني عدت فعلاً.
يا لوساخة الحرب!
من نافذة الطائرة لفتت نظري الأبنية التي تضيق المسافات في ما بينها. أحببت مكسيكو كثيراً؛ فالعاصمة كما ضواحيها غريبة ومجنونة عظمة بعض الشيء، مكتظّة بالحكايات وفقيرة بالمبادرات، تعجّ بعشرين مليون نسمة ومليون شبح وتتمسّك بماضيها إلى حدّ الهجس، كما أنها تسمح، طوعاً، بأن تغيّر ملامحها حداثةٌ غير ملائمة وفوضوية الهوى. إلّا أنها تبدو أقلّ حزناً على مستقبلها من حزنها على قبح أبراجها وتهجين جاداتها. وكمحارب أسطوري قديم مكسوّ بالميداليات كما بالندوب، كانت تجترّ أمجادها العابرة ساخرة بشدّة من سراب مستقبلٍ تخمّنه مفتقراً إلى الكاريزما كهرقليّ جوّال. إنها وهي واهنة إثر مذبح التضحيات، توافق أحياناً ـ لا ندري بأيّ خيمياء ـ على تسمية شوارعها بأسماء شعراء أجانب ورفد تنهّداتها بمسحة غنائية.
لا تؤمن مكسيسكو كثيراً بالولد العبقريّ لأنَّ أشباحها تكفيها. فهي شبيهة بماستودون مقدّس، تنطوي على روماتيزمها ورقيّاتها، حزينة وشفوقة على هنودها الصغار ذوي القلب الكبير، وعلى المتسكّعين الطارئين، وفولكلورها الألفي، وطقوسها الخاصة بالموت، والخراب الرهيب في أهراماتها العجيبة. وعلى الرغم من اطّراد الكوارث والخطوب المجهضة، لم تفقد كثيراً من كونها مدينة شبه مقدّسة، لأنّ التمازج المتناغم بين الأعراق والمعتقدات، والتجاور الهادىء بين العوَز والبذخ، حرب الربا من غير اقتناع ولا عداوة بين الكسل والتصلّب، هذه كلّها كانت تحيلها حتماً إحدى المدن الأكثر تسامحاً على الكوكب.
وداعاً، مكسيكو... المدينة الأولى التي جعلتني ألمس بأطراف أصابعي العالم الصغير الذي طالما حلمت به، والذي كان لي، أرضي الموعودة : عالم الكُتّاب.
شاءت المصادفة ـ أو الحظ ـ أن أقطن في كونديسا، وهو حيّ بورجوازي شهير بحاناته الفرنسية المناخ، بجوّه اللطيف ومثقّفيه. إنه، خاصةً، حيّ الروائيين. فكلّ مساء تقريباً، تقام المحاضرات في الطبقة الأرضية من المنزل الذي شاركني فيه شاعر ألباني ناجِ من ويلات كوسوفو، هو كزفديت بيراي. وهكذا، رأيت فرساناً ماهرين رائعين يمرّون بالتتالي، كتّاباً من القارات جميعها، كما نشأت صداقة بيني وبين انريكيه سيرنا ـ وهو من القلّة التي تعتاش من كتبها، وفق ما همس لي كزيفديت ـ، ومونيكا منصور، المترجمة الماهرة، وانيدرا أميرتنياغان، الناشر السريلانكي الصلب واللطيف كخبز حلو، وجورج م. غوغلبرغر مدير الجامعة الأميركية في كوستاريكا والذي حاول اختراق كياني كما يفعل مغوّرو أحشاء بركان، وألفارو موتيس، وإدوار غليسان.. ..
ـ أتحبّ الأدب الجزائري ياسيّد غليسان؟

الصفحات