كتاب " القار " ، تأليف علوان السهيمي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب القار
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

القار
أغلقت جهاز الحاسوب الذي يشبه حبلاً دائماً ما يشنق ضميري لدرجة أشعر معها أن ضميري سيموت حتماً، لكنه في آخر لحظة يكشر عن لؤمه، ويتركه مترنحاً يسعل، ويستفرغ دماً من دون أن يموت؛ فهنالك مواقف في الحياة تصبغنا بخبثها، ودناءتها، وإفرازاتها القذرة لمجرد أنها تذكرنا برداءتنا كزواجي من عبده بالضبط، وكتعامل خالي مع زواجي هذا على أنه صفقة تجارية، حتى حينما وجدني أبكي في حجرتي بعد أن ضغطت عليّ أمي بقبول عبده كزوج، فقد قال لي:
- يا سحر، يا حبيبتي، أنا أريد لك الخير، ولو لم أر في زواجك من هذا الرجل خيراً ما سعيت فيه.
- لكنني لا أريده، أنا أحب ماهر، ولن أتزوج سوى ماهر.
- وماذا سيقدم لك ماهر؟ فالحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر.
- أنا لا أحب هذا الرجل، وهو فوق هذا رجل أسود، فهل يرضيك أن أتزوج من رجل أسود؟
- هذا الرجل الأسود سيقدم لك ما يعجز عنه حبيبك ماهر، يمكنك أن تطلبي منه أي شيء ليوفره لك.
- أرجوك كفى يا خال...
وانخرطت في بكاء حامض مثل من يلعق دمه، وأنا أتذكر كلمة خالي وصفي «الحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر»، فهل ما قاله صحيحاً؟ أم أن الخيبات تجعلنا نعيد النظر في العبارات التي يدلقها علينا الآخرون ولا نتنبه لها؟ لا أدري بالضبط. كان الوقت عصراً، ودوماً ما تغزوني مرارة ذكرياتي في هذا الوقت؛ فالعصر هنا طويل جداً، وليس لديك من عمل إزاء طوله هذا إلا أن تتجرع هزائمك، وتلعق جراحك. اتجهت إلى الحجرة وخلعت كل ملابسي وتناولت منشفتي من الخزانة، وسرت عارية إلى الحمام. ملأت حوض الاستحمام ماءً حاراً، وتمددت في الحوض مسترخية أتأمل جسدي تحت الماء، وأطراف شعري تعوم فوق صفحته، وبين الفينة والأخرى أحرك ساقي لأنني لا أحب أن أشاهد عانتي بوضوح بعد أن ولغ منها ذلك الأسود. بقيت لأكثر من نصف ساعة ممددة في هذا الحوض، وكنت خلالها أتذكر عدة مواقف حصلت لي مع ماهر، فذات يوم خرجنا عصراً من الجامعة، وطلب مني الذهاب معه للتسكع في أرجاء دمشق، هذه المدينة المتهالكة مدنياً مقارنة بالإرث التاريخي العظيم الذي تحمله، تلك المدينة التي أحبها، أحبها لأنها المدينة التي حفظت طفولتي، وربّتها، وتمددت فيها مراهقتي، ليشتد عودها، وتصير أكثر فتنة، فالمدن مثل البشر دوماً ما تحمل في داخلها جوانب نبيلة.
ركبنا (السيرفيس) متجهين إلى سوق «الحميدية»، كان يمتلئ بالناس الحقيقيين غير المزيفين، كنت أشعر بأنني إنسانة حقاً حينما أسير هناك، فنحن لا نشعر بإنسانيتنا في الأماكن الفاخرة المليئة بالزيف، إنما نحس بها حين نسير في الأزقة الضيقة. كان منظرنا غريباً وسط السوق، ونحن نحمل مذكراتنا الجامعية في أيدينا، وننظر هنا، ونضحك لرؤية ذاك. كنا نقلب البضائع بين أيدينا، ونسأل عن أسعارها، ولا نية لدينا في الشراء؛ فثمة شعور يلازمني حينما أسأل عن أسعار البضائع ولا نية لي في الشراء مثل شعور الممثل الكوميدي حين يقف على خشبة المسرح ليُضحِك الآخرين، وهو لا يثق بوعيهم، وعقولهم. سحبني ماهر من يدي، ودخلنا إلى محل لبيع البوظة، اشترينا منها وجلسنا في زاوية المطعم نتناولها بلذة، ولا أنسى أنني أكلت آخر ملعقة من صحن ماهر بعدما مدها لي بيده.
كانت ثمة حكايات كثيرة تنبعث من ذاكرتي كخيط من الليزر، وليس هنالك أصعب من البقاء مع الذاكرة في حوض استحمام!. قمت من الحوض أتقاطر ماء وذكرى، توجهت إلى حجرة النوم دون أن أكلّف نفسي عناء أن أنشّف جسدي، كنت أسير حافية القدمين على ذلك السيراميك البارد الذي يشبه وخز ألم الأسنان. وقفت عارية أمام المرآة أنشف شعري، بعدها بدأت في ارتداء ملابسي، ووضع زينتي بهدوء مطلق؛ فالحياة علمتني كامرأة بأن التزيّن بالنسبة للمرأة يشبه الطبخ تماماً، يحتاج إلى نار هادئة في كثير من الأحيان. لا أذكر بالضبط كم بقيت أمام المرآة أرتدي ملابسي، وأتزيّن، لكنني على يقين من أنّ الوقت الذي استغرقته يتجاوز الساعة والنصف، عندها التقطت هاتفي المحمول الذي كان على (الكوميدينة) لأجد رسالة من أم حسين جارتي التي تقطن الطابق العلوي كتبت فيها:
«مساء أبيض يضمّك حيل بأحضانه...
مساء يهدي أمل وردي لأجمل وأعذب إنسانة».
تذكرت زيارتي لها مساء البارحة. لقد كانت امرأة جيدة، لكنها لم تخفِ كونها سعودية تملك الحقيقة المطلقة للأشياء، فالسعوديون يشعرونك دوماً بأنك غريب عنهم بسبب تلك الدهشة التي لا تفارق أعينهم إذا رأوك، أو تعاملوا معك، أو بدأوا ينصتون إليك حينما تتحدث. كنت أنوي أن أرد عليها برسالة، لكنني أجّلت ذلك لوقت لاحق. فتحت رسالة جديدة وكتبت لعبده «لقد مللت وأنا أنتظر في المنزل، حاول أن تعود سريعاً، فأنا جاهزة في انتظارك». انتظرت لأقل من ثلاث دقائق لتصلني رسالة من عبده كتب فيها «أنا آسف يا حياتي، سأكون عندك بعد نصف ساعة، اشتقت إليك».
كنت بكامل زينتي وسط الصالة كامرأة في بداية ليلة حب، مددت يدي إلى كتاب كان فوق الرف الذي يحتضن مستقبل القنوات، كنت أقرأ فيه عصر أمس، فدوماً ما يشعرني وقت العصر بأنه أثقل أوقات اليوم، فهو يشبه حضور السياسيين ثقيلاً، ومملاً، ومليئاً بالزيف. كان الكتاب عبارة عن رواية لروائية صينية شابة، فتحتها من حيث انتهيت البارحة وبدأت أقرأ، غرقت في عالم «شنغهاي» الذي كتبت عنه تلك الروائية إلى أن أعادني رنين هاتفي المحمول بجانبي، لقد كان المتصل عبده، رددت عليه:
- أهلاً.
- أهلاً يا حلوتي، أنا أنتظرك عند باب البيت.
- حسناً، سألبس عباءتي وأوافيك.
أغلقت الخط لأكتشف أنني انتظرت عبده لمدة تزيد عن ساعة منذ وصول رسالته الأخيرة، سارعت في ارتداء عباءتي التي كنت أشعر معها بأنني فتاة مسيحية مجبورة على حضور قدّاس الأحد أسبوعياً، خرجت لأجد عبده في السيارة أمامي، أحكمت إغلاق الباب خلفي ورأيته يمد يده من مكانه ليفتح لي الباب عن يمينه، ويدفعه جهتي، ولجت السيارة وحينما استقررت في المقعد كان هواء التكييف ينبعث بشدة ليصدمني، وكانت تنبعث كلمات غزلية من فم عبده، تزامن ذلك كله مع صوت أغنية كانت تخرج من جهاز التسجيل في السيارة، وصوت مؤذن مسجد الحي يقيم لصلاة المغرب.

