أنت هنا

قراءة كتاب القار

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
القار

القار

كتاب " القار " ، تأليف علوان السهيمي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 9

لم يكن ثمة خيارات عدة أمامنا للعشاء، فتبوك مدينة تعرف كيف تربي أهلها على تناول عشائهم في المنزل، لذلك كان مطعم «ميس الريم» هو أول خيار مطروح أمامنا، لأنه يمنحنا خصوصية تامة كما يدّعي عبده، فثمة بعض البلدان تجبرك على التخفي واللصوصية كالسعودية تماماً، فأنا منذ عرفت هذا البلد لم أشعر يوماً بأنني أمارس حقي الطبيعي في التعايش كامرأة، فهو بلد يسلب من المرأة حرية التعايش والتماهي مع المجتمع بحجة أن المرأة جوهرة ثمينة ينبغي أن نصونها.

لا أنكر أنني كنت أبذر الريبة في وجه كل من يصادفني برفقة عبده، سواء في السوق، أو في المطعم، أو عند إشارة ضوئية، ولا أنكر ابتسامة النادل يوماً حينما دخلنا إلى مطعم لتناول العشاء، فلم يكن منه حينما رأى عينيّ البيضاوين، ويدي وهي تخرج من أكمام العباءة برفقة رجل أسود كهذا إلا أن ابتسم ابتسامة مروجي المخدرات الذي نراهم في الأفلام السينمائية، ووضعنا في زاوية قصيّة من ذلك المطعم؛ لأنه يريدنا أن نمارس أشياءنا بشكل مريح. ولأن الوقت لا يزال مبكراً على العشاء أخذ عبده يتسكع بي في مدينة تبوك، ويعيد نفس الأحاديث المكرورة ذاتها التي اعتدتها:

- أحس وأنا معك بأنني أسعد مخلوق في هذا الكوكب.

أو:

- تأكدي يا حياتي بأن كل ما أفعله لأجل إسعادك؛ لأن سعادتك تهمني كثيراً.

أو:

- ماذا هنالك؟ لماذا كل هذا السكوت؟ تكلمي، قولي شيئاً.

وأنا منهمكة في قراءة لوحات المحال التجارية، أو الإعلانات في الشوارع بصوت خفيض، ولكن عندما يصل إلى هذا الحد من الحديث أمسك بيده، وأقوم بالضغط عليها برفق، ومثل كل مرة يحاول أن ينفث ذكاءه أمامي كلاعبي الخفّة فيقول «أدرك حجم الخجل الذي تشعرين به من جراء كلامي هذا، حسناً لا تتكلمي!»، فيقوم بعدها بلعبته المشهورة فيقول: «هيا يا حلوة دعينا نلعب، أريد أن أرى مدى قوة ذاكرتك». عندها يبدأ بسؤالي عن معالم المدينة التي نتجوّل فيها، عن أسمائها، وبعدما عرّفني بمعظم معالم مدينة تبوك، قال:

- ما هذا المَعْلم عن يمينك؟

- إنه معلم معروف، فهو مصلى العيد.

تقدمنا قليلاً إلى أن وصلنا إلى الإشارة الضوئية، فسكتُّ قليلاً فأضاءت خضراء، فسار بهدوء وسأل:

- عند الإشارة التي أمامنا الآن ماذا سيكون على يميننا، دون أن تنتظري لتقرأي اسم ذلك المعلم؟

- أعتقد أنه مستشفى الملك فهد.

- والحي الذي يقع فيه هذا المستشفى ما اسمه؟

- لا أعلم.

- حي شمال الجمرك يا ذكيّة.

وقفنا عند الإشارة الضوئية التي كانت في مواجهة مستشفى الملك فهد، وحينما أضاءت الإشارة باللون الأخضر انعطف عبده يساراً، وسألني:

- هذا المبنى الذي يقع عن يمينك ما هو؟

- لم أره جيداً.

- هذا مبنى الأحوال المدنية بمنطقة تبوك.

دخلنا إلى شارع متوسط الحجم، ولا أدري ما سر الرهبة التي تملكتني حينما دخلنا إلى هذا الشارع، لكن عبده فسر لي هذه الرهبة دون أن يعلم بها حينما قال:

- هل ترين هذا المسجد عن يسارك، هو مسجد الملك فهد، وفيه مغسلة الموتى، وعادة ما يصلون على الموتى في هذا المكان.

وكمن صفعني على وجهي أخذت أحدّق في هذا المسجد، والموت يتعملق في مخيلتي، فدوماً ما كنت أخشى الموت وأنا بكامل زينتي، لأن كائناً مثل الموت مرعب بهذا الشكل لا ينبغي أن يتمتع بالجمال أبداً. بقيت صامتة في السيارة وعبده يثرثر، شعرت بضآلة حقيقية، فنحن حينما نتذكر الموت نصمت؛ ليس لأن الموت مرعب، إنما لأننا نكتشف إلى أي مدى نحن ضعفاء حينما يأتينا كائن غريب وخفي، ليأخذنا على حين غرّة ويمضي. أخذني هاجس الموت كثيراً إلى أن عدت إلى وعيي بعد إلحاح عبده عليّ بالسؤال:

- هل تريدين أن نذهب إلى أحد المقاهي لتناول القهوة حتى يحين موعد العشاء؟

- لا فأنا جائعة، وأعرف بأنني لو شربت قهوة فستسد نفسي عن تناول العشاء.

اتجه عبده شرقاً ناحية الطريق المؤدي إلى المدينة المنورة بعدما سمع ردي هذا، وكنت طوال الطريق أحدق في لوحات المحال التجارية والإعلانات في الشوارع، واقرأها بصوت أعلى من السابق، وعندما وصلنا إلى دوار «الرمانة» على مشارف مدينة تبوك شرقاً قال عبده:

الصفحات